ولهذا نقول : إن كفر إبليس لعنه الله كان أشد من كفر كل كافر وأنه لم يعرف الله بصفاته قطعا ولا آمن به إيمانا حقيقيا باطنا وإن وجد منه القول والعبادة وكذلك اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة لم يوجد في قلوبهم حقيقة الإيمان المعتد به في حال حكمنا لهم بالكفر . قال الله تعالى : « ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء » وقوله : « فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم » الآية فجعل الله هذه الأمور شرطا في ثبوت حكم الإيمان فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدا به دونها .
فيقال : إن قلتم : إنه ضم إلى معرفة القلب شروطا في ثبوت الحكم أو الاسم لم يكن هذا قول جهم ؛ بل يكون هذا قول من جعل الإيمان - كالصلاة والحج هو - وإن كان في اللغة بمعنى القصد والدعاء لكن الشارع ضم إليه أمورا إما في الحكم وإما في الحكم والاسم ؛ وهذا القول قد سلم صاحبه أن حكم الإيمان المذكور في الكتاب والسنة لا يثبت بمجرد تصديق القلب ؛ بل لا بد من تلك الشرائط ، وعلى هذا فلا يمكنه جعل الفاسق مؤمنا إلا بدليل يدل على ذلك لا بمجرد قوله : إن معه تصديق القلب ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب يقول : كل كافر في النار ليس معهم من التصديق بالله شيء لا مع إبليس ولا مع غيره . وقد قال الله تعالى : « وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد » وقال تعالى : « وسيق
الإيمان — صفحة 144
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٤