تنبيه وإرشاد :
اعلم أنّ الوثنيّين كانوا يعتقدون باللّه ويسمّونه بربّ الأرباب ، ومع ذلك يعتقدون أيضاً بآلهة متعدّدة ، وأنّ لكلّ نوع ربّاً ، وهذا هو المعنى من قوله تعالى :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
« 1 » .
وقد قيل : إنّهم إنّما اعتقدوا بإلهية الأرباب بسبب اعتقادهم أنّه تعالى من جهة علوّ درجته ومقامه أجلّ من أن يحيط به إدراك خلقه ، فلا يمكن التوجّه والتقرّب إليه بالعبادة ، فعليه لا يمكن لنا إلّا أن نعبد بعض الموجودات الشريفة ليقرّبونا اليه زلفى .
ويقول تعالى في ردّ مدّعاهم :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 2 »
.
ثمّ إنّ عدم إحاطة الإدراك به تعالى هو مشترك بيننا - معاشر البشر - وبين من يعبدونهم من الّذين يحسبونهم المقرّبين ، حيث إنّهم وإنّنا لا ندرك حقيقة كنه المعبود ، بل نعرفه بأسمائه وصفاته وآثاره ؛ فعليه يمكن أن يتوجّه الكلّ إليه تعالى على قدر معرفتهم به ، هذا إجمال المقال في المقام .
والبحث في ذلك طويل ، ولعلّه يأتي في المحلّ المناسب له .
وأمّا ما في كلمات بعض العامّة من أنّ الشيعة يعبدون أئمّتهم ، وأنّهم في خضوعهم لأئمّتهم كالمشركين في عبادتهم للأصنام ليقرّبوهم إلى الله تبارك وتعالى فهو افتراء صرف ، وليس بين الشيعة من يعبد أئمّتهم ، نعم ، كان في عهدالأئمّه ( عليهم السلام ) قوم يعتقدون بالوهيّتهم وحلوله تعالى فيهم ، كما وردت الإشارة إليهم في بعض الروايات وغضب عليّ ( ع ) عليهم « 3 » ، وهم الذّين يسمّون بالغلاة ،
و
هامش
( 1 ) . يوسف : 39 .
( 2 ) . البقرة : 115
( 3 ) . وقد ورد أنّ عليّاً ( ع ) قد أحرق بالنار من اعتقد بالوهيّته وقال ( ع ) لأحدهم : « ويلك ! أنا عبد من عبيد محمّد ( ص ) » .