الوجه الخامس : أنّهم قاموا ، وقيامهم هذا إنّما كان لدعوة الناس سرّاً إلى الإيمان ، إلّا أنّ هذا ممّا لا شاهد له من الآيات .
فأقول : أنّ أوجه الوجوه هو الأوّل ثمّ الثاني ، وأمّا حديث الغيبة في قوله تعالى :
هؤُلاءِ قَوْمُنَا . . .
فليس بشيء ؛ لأنّه يمكن تعبيرهم بالغيبة مع حضور قومهم ؛ مثل إنّكم قوم يؤمنون لأنّ المخاطب هو سلطانهم .
واعلم أنّ في كلامهم هذا إثباتاً ونفياً واعتراضاً .
أمّا الإثبات فهو قوله :
رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ
؛ حيث إنّهم أثبتوا التوحيد بذلك ، وإنّ ربّهم ربّ السماوات والأرض .
وأمّا النفي فهو قولهم :
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
، وفيه تصريح بنفي الألوهية عن غير الله ، وأنّهم لا يدعون غيره ، وهذا ينفى الأرباب المتفرقة التي أثبتها غيرهم .
وأمّا الاعتراض فهو قوله :
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
فبهذه الجملة أشاروا إلى أنّ في اثبات الأرباب شططاً وتجاوزاً عن الحقّ .
وفي المفردات : « الشطَط : الإفراط في البعد » ، وقال : « لقد قلنا اذاً شططاً » أي : قولًا بعيداً عن الحقّ ، ففيه إشارة إلى أنّ في عبادتهم الأوثان شططاً وتجاوزاً عن الحقّ ، ولا يخفى أنّ الإثبات والنفي في كلامهم يفيدان فائدة كلمة التوحيد ، حيث إنّ في كلمة التوحيد أعني « لا اله الّا الله » أيضاً نفياً واثباتاً ، إلّا أنّ في كلمة « التوحيد » يكون النفي مقدّماً على الإثبات ، وفي كلامهم الإثبات مقدّم على النفي « 1 » .
قوله تعالى :
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
« 2 » .
هامش
( 1 ) . مفردات ألفاظ القرآن : 260 .
( 2 ) . الكهف : 15 .