وامّا الكلام في قوله : « لنعلم » وبيانه وما المراد منه ففيه وجوه ، بل أقوال بعد أن كان من المسلّم أنّه لا يراد منه تتبّع الحقيقة وحصول العلم ؛ بناءً على ما هو المسلّم عند المسلمين من علمه تعالى بالأشياء قبل تحقّقها ، بل هو من ضروريات المذهب ، كما في البحار « 1 » ، وإن نسب إلى هشام أنّ الله لا يعلم الأشياء إلّا بعد وقوعها ، وهو - على فرض صحة النسبة - متروك عند القوم .
وأمّا الأقوال فأشير إجمالًا إلى قولين منها :
القول الأوّل : قيل : إنّه للغاية بجعله مجازاً عن الإظهار والتمييز ، وهذا القول هو الدائر بينهم .
القول الثاني : إنّ المعنى : لتعلّق علمنا تعلّقاً حالياً مطابقاً لتعلّقه أوّلًا تعلّقاً استقباليّاً ، وهذا ما اختاره البيضاوي والآلوسي ولعلّ اليه يرجع ما في تفسير الصافي : « ليقع علمنا الأزلي على المعلوم بعد وقوعه ويظهر له » .
وفي الميزان : والمراد بالعلم : العلم الفعلي ، وهو ظهور الشيء وحضوره بوجوده الخاصّ عند الله ، وقد ورد العلم بهذا المعنى في القرآن الكريم ، كقوله :
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
« 2 » ، وقوله :
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ
« 3 » . وهذا المعنى وإن كان يصرّ به العلّامة في المقام إلّا أنّه في سورة الحديد قد فسّر العلم بالتمييز ، وقال : « والمراد بعلمه بمن ينصره ورسله : تمييزهم ممّن لا ينصر » « 4 » .
نعم ، في سورة الجنّ قد فسّر بما يوافق المقام . وعلى كلّ حال فهذا الوجه عندنا غير وجيه .
هامش
( 1 ) . البحار : 4 / 87 .
( 2 ) . الحديد : 25 .
( 3 ) . الجن : 28 .
( 4 ) . الميزان 19 : 172 .