Commentary
نعم الرواية ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالموثّقة في كلام جماعة لأنّ في سندها محمد بن علي الكوفي الملقّب بأبي سمينة ولم يوثق ، فلا تصلح إلّا للتأييد .
وكيفما كان فلا ينبغي التأمّل في أنّ الروايات في مقام بيان الحدّ . فعليه لا يجري في مثله الكلام المتقدم ، أعني تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر لتكون العبرة بأحدهما ، إذ لا يمكن أن يكون للشيء حدّان إلّا إذا فرضنا تطابقهما في الصدق بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر ومن الضروري اختلافهما في المقام وحصول أحدهما ، وهو عدم سماع الأذان قبل خفاء الجدران دائماً ، فإنّ شعاع البصر ومدى إبصاره أبعد بكثير من مدى الأمواج الصوتية ، ولذا ربّما يرىَ الإنسان في البيداء شخصاً من بعيد ويناديه بأعلى صوته فلا يسمع وهذا واضح لكل أحد .
على أنّ الأذان لم يعهد وقوعه في آخر البلد ، بل يقع بطبيعة الحال في وسطه أو في المسجد الواقع في وسط المحلّة الأخيرة فنفس البلد يشغل مقداراً من البعد لا محالة ، ولو فرض وقوعه في مصر كما هو مورد الرواية المتقدمة سيّما إذا كان من البلدان الكبيرة فربّما لا يصل الصوت إلى آخر البلد فضلًا عن خارجه ، أو أنّه ينقطع لدى الابتعاد عنه قليلًا كمائة متر أو مأتين مع أنّ الجدران أو البيوت بَعْدُ ظاهرة لا تخفي إلّا بعد طيّ مسافة بعيدة .
والحاصل : أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ شعاع الصوت أقصر من شعاع البصر فينقطع السماع أوّلًا ثم بعد مدة تخفي الجدران ويتوارى عن البيوت .
فعليه لا يمكن الالتزام بأنّ الحدّ أحد الأمرين إذ مرجعه إلى أن العبرة بالأوّل ، أعني عدم السماع ، كما لا يمكن الالتزام بأنّه مجموع الأمرين ، إذ مرجعه إلى أن العبرة بالأخير وهو التواري والخفاء بل لابدّ وأن يكون الحدّ إمّا هذا أو ذاك ، فطبعاً تقع المعارضة بين الدليلين لتعذّر الجمع بينهما بارتكاب التقييد في المفهوم أو المنطوق لا بنحو العطف بالواو ، ولا بنحو العطف ببب ( أو ) فلابدّ من العلاج .
وملخّص الكلام : أنّ الروايات ظاهرة في أنّها مسوقة لبيان المعرّف وأن العبرة بنفس البعد كما فهمه الفقهاء ولا عبرة بالتواري الأصلي منه والتبعي من جبل أو غيم