ولا يخفى عليك ، أنّ القول الثالث يشبه القول الأوّل ، والفرق بينهما في أنّ القول الأوّل ظاهر في أنّ العقل حكم بذلك دون القول الثالث ، فإنّه صريح في عدم حكم العقل بذلك وهو الصحيح ولكن حركة الإنسان غير حركة الحيوان ، فإنّ الحركة في الإنسان ناشئة عن الإدراك ، كإدراك الاستلزامات بخلاف الحيوان فإنّه في الغالب غريزىّ فتدبّر .
الجهة الثالثة : أنّه هل يجوز للشارع أن ينهى عن العمل بالقطع أو لا ؟
قال الشيخ الأعظم ، لا يجوز ذلك ، لاستلزامه التناقض ، إذ بمجرّد القطع بكون مائه بولايحصل له صغرى وكبرى أعنى قوله هذا بول وكلّ بول يجب الاجتناب عنه ، فهذا يجب الاجتناب عنه ، وعليه فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عن المقطوع يوجب التناقض إلّا إذا قلنا بأنّ النجاسة وحرمة الاجتناب من أحكام ما علم بوليّته من وجه خاصّ .
قال المحقّق الخراساني ، إنّ المنع عن تأثير القطع ينافي كون التنجيز ذاتيّاً . هذا مضافاً إلى أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً أي أصاب أو لم يصب ، وحقيقة في صورة الإصابة .
أورد عليه سيّدنا الإمام قدس سره بأنّ وجه الامتناع ليس لزوم اجتماع الضدّين ، لأنّ الضدّين ، أمران وجوديّان ، والوجوب والحرمة وغيرهما من الأمور الاعتباريّة ، بل وجه الامتناع هو لزوم اجتماع الإرادتين المختلفتين على مراد واحد ، والإرادتان ، أمران وجوديّان واقعيّان . هذا مضافاً إلى لغويّة الحكم الأوّل لو نهى عن العمل بالقطع .
وكيف ما كان فقد خالفهم صاحب الوقاية بدعوى أنّ التناقض لا يلزم على نحو الكلّيّة ، إذ لا يكون كلّ قطع مصيباً للواقع ، وعليه فلايصحّ الحكم على كلّىّ القطع بعدم جواز الردع عنه من هذه الجهة .
خلاصة عمدة الأصول — صفحة 456
مساهمون: السيد محسن الخرازي
ص٤٥٦