ففيه كما في مصباح الفقاهة : أن المنافقين لكاذبون في شهادتهم للرسالة لعدم كونها عن خلوص الاعتقاد ؛ هذا مضافا إلى أنّه لو أخبر أحد عن قضية يعتقد بوقوعها في الخارج وهي واقعة فيه ، فإنّه على مسلك النظام خبر كاذب ، مع أنّه صادق بالضرورة . « 1 »
وممّا ذكر يظهر ما في المحكى عن الجاحظ أيضاً : من أنّ صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معاً ، وكذبه عدم مطابقته لهما معا ، وغير ذلك لاصدق ولا كذب . واستدلّ على رأيه هذا بقوله تعالى :
( أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ )
« 2 » فإنّ الإخبار حال الجنّة غير الكذب ، لأنّهم جعلوه قسيما للافتراء وغير الصدق لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم .
وذلك كما في مصباح الفقاهة : انّا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب وعدم الواسطة بينهما ، وأمّا الآية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ ، لأنّ الظاهر منها أنّ المشركين نسبوا اخبار النبي إلى الافتراء الذي هو كذب خاص ، أو إلى الإخبار حال الجنّة الذي لا أثر له عند العقلاء ، انتهى . « 3 »
فتحصّل : أنّ اتّصاف الجملة بالصدق أو الكذب منوط بكونها خبرا ، ومن أركان الخبر قصد الحكاية ، إذ مع عدم القصد لاتتّصف الجملة بأنّها خبر ومع عدم صدق الخبر لايتّصف بالصدق أو الكذب .
حقيقة التورية
وإذا عرفت أنّ الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع ظهر خروج التّورية عن حقيقة الكذب خروجا موضوعيا . وتوضيح ذلك : أنّ المتكلّم في مواردها لا يكون قاصداً
هامش
( 1 ) مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 397 - 396 .
( 2 ) سباء ، 8 .
( 3 ) مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 397 .