وممّا ذكر يظهر ما في جامع السعادات حيث قال : « وأمّا من جعل نفسه مسخرة ويسرّ أن يهزل ويسخر به ، وإن كان هو ظالماً لنفسه خارجاً عن شعار المؤمنين حيث أهان نفسه وأذلّها إلّا أنّ سخرية الغير به من جملة المزاح ، ويأتي به ما يذمّ منه وما يحمد ، وإنّما المحرّم منه ما يؤدّي إلى إيذائه وتحقيره » « 1 » .
وذلك لأنّ التحقير والإذلال موجودان في هذه الصورة ، وإطلاق دليل الحرمة يشملهما ، وتخلّف الإيذاء لا يمنع عن حرمة الاستهزاء والسخرية مع وجود سائر الملاكات - من الإذلال والتحقير - فيه ، فلا تغفل .
الجهة الخامسة : في إنّ الاكل في مقابل السخرية أكل المال بالباطل
إنّ أخذ الأجرة في مقابل السخرية أكلٌ للمال بالباطل ، ولا يملكها الساخر ؛ لأنّ السخرية محرّمة ، والعمل المحرّم لا يقابل بالأعواض . ولا فرق في ذلك بين أنواعها .
والإذن والإجازة لا يوجبان الحلّية بعد كون السخرية محرّمة ؛ لعدم رضا الشارع بإذلال المؤمنين ، ورضا المسخور منه بالإذلال غير مقبول في الشرع كما عرفت .
ويدلّ على بطلان الإجارة : قوله تعالى :
( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ )
« 2 » .
وقد نصّ في خبر الحسن بن عليّ بن شعبة على أنّ كلّ أمر منهيّ عنه من جهة من الجهات فمحرّم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له ؛ أو شيء منه أو له « 3 » .
هامش
( 1 ) جامع السعادات / ج 2 ، ص 289 .
( 2 ) سورة النساء / الآية 29 .
( 3 ) تحف العقول / ص 248 ، المطبعة الحيدرية .