بين الأمر والسؤال في ناحية الطالب ، بل في نفس الطلب ، فالطلب الأكيد الذي لا يرضى الطالب بالترك أمر وإيجاب ، والخفيف الذي يرضى بتركه ندب وسؤال ، سواء صدرا من العالي أو المساوي أو الداني . فصيغة « إفعل » موضوعة للقسم الأوّل وإن استعملها السائل فيه ، وأمّا عدم الوجوب على المطلوب منه بأمر السائل ، فهو من جهة أنّه لا ينفذ أمر كلّ أحد في حقّ كلّ أحد ، بل من يحكم العقل أو الشرع بلزوم طاعته واجتناب معصيته هو الذي ينفذ أمره .
وذهب آخرون إلى أنّها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب . واحتجّوا عليه : بأنّ الصيغة استعملت تارةً في الوجوب ، كقوله تعالى : « أَقِمِ الصَّلاةَ » « 1 » وأخرى في الندب كقوله تعالى : « إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ » . « 2 »
وقوله تعالى : « وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ » « 3 »
وقوله تعالى : « كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ » ؛ « 4 » فإنّ المراد إعطاء الصدقة المندوبة لا الزكاة الواجبة ؛ فإنّها فرضت بالمدينة والآية مكّية .
وقوله تعالى : « فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » . « 5 »
فتكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو طلب الفعل دفعاً للاشتراك اللفظي والمجاز .
والجواب : أنّ المجاز وإن كان مخالفاً للأصل ، لكن يجب المصير إليه إذا دلّ الدليل عليه ، وقد بيّنّا أنّها حقيقة في الوجوب بخصوصه ، فلابدّ من كونها مجازاً فيما عداه .
وذهب السيد رحمه الله إلى أنّها حقيقة لغة في القدر المشترك ، وفي عرف الشرع في خصوص الوجوب ، واحتجّ على الاشتراك لغة بمثل ما سبق ، وعلى الوجوب في عرف شرع بحمل الصحابة كلّ أمر ورد في القرآن والسنّة على الوجوب ، وكان يناظر
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 78 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 282 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 282 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 141 .
( 5 ) . الروم ( 30 ) : 50 .