بعنوان كونه عبادة مستقلّة كما أشير إليه في بعض الروايات .
هذا ولكن لا يخلو الإنسان في حال من حالاته مِن الافتقار إلى اللَّه تعالى ، والاحتياج إلى أمور كثيرة هي بيده ؛ كغفران الذنوب الماضية ، والتوفيق لتركها فيما يأتي ، والوصول إلى مراتب الكمال في مرحلة العقائد وفواضل الأخلاق ، والطهارة من رذائلها ، والتوفيق لطاعة ربّه ، وامتثال أوامره ونواهيه ، وحفظه ما عمله من صالح الأعمال عن الحبط والبطلان ، وسائر حوائجه الدنيويّة من صغار أمورها وكبارها .
وبالجملة لا يمكن خلوّ الإنسان من الحاجة وعدم اتّصافه بالفاقة ، وقد قال تعالى : « أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ » « 1 » ، فيفتقر إلى فضل ربّه ورحمته في تنجزّها وتحقّقها ، وإجابة دعوته . وهذا لا ينافي لزوم حركة العبد نحو مقصده وتهيئة أسبابه الممكنة الميسورة فيما له مقدّمات وأسباب ، كما قد يتوهّمه من لا خبرة له ؛ فإنّ الدعاء لم يشرع عوضاً عن الاشتغال بما يلزمه وما هو عليه من فعل الأسباب اللازمة العادية ، على أنّ الأمور مختلفة ؛ فمنها ما يكون حصوله معلّقاً بدعاء العبد ، فلو سأله أعطاه اللَّه ، ولو لم يسأله لم يعطه .
ثمّ إنّه لا إشكال في عدم كون الاستجابة مطلقة غير مشروط بشيء ؛ لأنّ ذلك أمر غير معقول - وإن كان ظاهر بعض الأخبار ذلك - بل الاستجابة مشروطة بشروط لا تتحقّق في بعض الأحيان ، لكنّه لا ينبغي أن يكون ذلك مانعاً عن الدعاء لعدم علم الداعي بفقدها ، مع أنّه لا حرمان في الدعاء أبداً وإن لم يحصل نفس المقصود ؛ فقد ورد أنّ اللَّه إمّا يعطي الداعي ما طلبه ، أو يدفع به عنه سوء ، أو يدّخره ثواباً لآخرته ؛ قال تعالى : « وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبّ شَقِيًّا » « 2 » .
وقد تعرّضنا للبحث في ذلك إجمالًا في مقدّمة كتابنا « المصباح المنير » الموضوع في الدعاء ؛ واللَّه هو الموفّق .
هامش
( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 15 .
( 2 ) . مريم ( 19 ) : 4 .