وقال تعالى : فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهَ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا « 1 » .
البحث الثاني والعشرون : اهبط إليها آدم
إنّها هي التي أهبط اللَّه إليها آدم وزوجه والشيطان ليسكنوا فيها وينتفعوا بها أمداً محدوداً وأجلًا معلوماً ، وجعل بعضهم عدوّاً لبعض ليختبروا ويمتحنوا ، ويظهر من بواطنهم وبواطن ذريّاتهم ما كان مستوراً ، وينكشف ما كان مكنوناً ؛ قال تعالى : قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ « 2 » .
والهبوط هو الانحدار والسقوط على سبيل القهر كسقوط الحجر ونحوه ، مع لحاظ استخفاف في الشيء الساقط . ثمّ إنّ هبوط آدم عليه السلام وزوجه إلى الأرض هل كان من جنّة السماء ؟ كما يستظهر ذلك من توصيفها بقوله : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى ، « 3 » أو المراد إخراجهما من جنّة الدنيا إلى بقاعها الغامرة ، وقيعانها الموات الخالية ؟ واستعمال الهبوط كناية عن نوع سقوط في المنزلة ، كما في خطابه تعالى لبني إسرائيل حين ملّوا من المنّ والسلوى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ « 4 » .
وجهان .
البحث الثالث والعشرون : منها وفيها وإليها
إنّها هي التي خلق اللَّه منها الإنسان ، بل وغيره من الحيوانات ، وأنشأه فيها ، وأسكنه وعمّره عليها ، فجعله مقرّاً له ، ومحلّاً لتمتّعه وانتفاعه ، وعيّن لكلّ فرد أمداً معيّناً ، ولكلّ جيل حدّاً محدوداً ، وجعل الأمم والأجيال بعضهم يخلف بعضاً ، فالموجودون بقيّة الغابرين وخليفة الماضين ، فالجميع منها ينشأون ، وفيها يعيشون ، وإليها يعودون ، ومنها يخرجون ؛ فالأرض منبتهم ومقرّهم وموطنهم وقبورهم وبرزخهم ومحشرهم .
قال تعالى : هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها « 5 » . واستعمارهم : إعطاء العمر
و
هامش
( 1 ) . الروم ( 30 ) : 50 .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 24 .
( 3 ) . طه ( 20 ) : 118 - 119 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 61 .
( 5 ) . هود ( 11 ) : 61 .