الأوّل : أنّ المراد بها قوانين الدين ، ومجموع الأحكام الإلهيّة من أصولها وفروعها ، مع العمل على طبقها ، وبعبارة أخرى : الإيمان والعمل الصالح .
والثاني : الأمر المسبّبي الحاصل من المعنى السابق ، وهي الخلافة والولاية الإلهيّة ، والكمال المعنوي الذي به خلق اللَّه الإنسان ، ولأجله أرسل إليه الرسول وأنزل عليه الكتاب .
ومعنى العرض هنا هو مقايسة المعروض على المعروض عليه ، وملاحظة قابليّته لحمل المعروض وقبوله وعدمها .
وقوله : وَحَمَلَها اْلإِنْسانُ أيثمّ عرضناها على الإنسان فحملها .
والظاهر أنّ العرض بالنسبة إليه غير العرض على السماوات ، بل هو هاهنا بمعنى الحقيقي ، فإنّ اللَّه تعالى قد عرض الدين على الناس بطريقين : تشريعيّ حاصل بيد الأنبياء وإنزال الكتب عليهم وتأييدهم بالمعجزات حتّى تمّ الايصال وحصل العرض ؛ وتكوينيّ ، وهو عرضه على العقول بشواهد الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة .
وكما أنّ العرض على قسمين ، فالحمل أيضاً كذلك ؛ فحمل بعضهم اختياراً ، وبعضهم تكويناً بمعنى إدراك عقولهم وقضاء فطرتهم . وهذا كما يقال في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا « 1 » ؛ فإنّ الإشهاد بالربوبيّة واقع تشريعاً بدعوى الأنبياء ، وتكويناً بشهادة الآيات العالمية .
وإقرارهم أيضاً على قسمين .
والمراد من الإباء والاشفاق عدم القابليّة في المقيس عليه تكويناً ، وعدم الاستعداد فيه لعدم وجود شرايط القبول فيه .
والمراد بكون الإنسان ظلوماً جهولًا كونه ذا استعداد خاصّ يمكنه أن يكون ظالماً لنفسه وغيره بترك ما عقله وأذعن به ، وكونه جاهلًا بترك ما قدر على تعلّمه والاعتقاد به .
فالمتحصّل من معنى الآية : أنّ اللَّه تعالى عرض أمانة الدين والتكاليف ، وقايسها على حال الأجرام العلويّة والسفليّة أعني السماوات والأرض ، فانكشف عدم قابليّتها لحملها ،
و
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 .