والمراد باليوم مدّة لو حسبناها بالساعات الاصطلاحيّة كانت 12 ساعة ؟ أو المراد مقدار طويل أو قصير من الزمان غير معيّن ، كما في قوله تعالى : يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ « 1 » ، وقوله : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ؟ « 2 » والرواسي : الثابتات الراسخات في محالّها ، كثبوت الشجر في مغرسه . فيظهر منه أنّ للجبال اصولًا راسخة في الأرض .
وَبارَكَ فيها أيجعلها كثير الخير بإعطائها استعداد تربية المعادن ، وتنمية النبات ، وتوليد الحيوان ، وتغذية المواد المستعدّة .
وَقَدَّرَ فيها أقْواتَها أيعيّن أقوات ما يحتاج منها إلى القوت من جميع أجزائها المحتاجة في تكاملها ، أو في دوامها واستمرارها إلى رزق وقوت ، كمعادنها ونباتها وأشجارها وحيوآنها . وبعبارة أخرى : خلق وأوجد فيها جميع الموادّ الأوّليّة التي منها تتشكّل الأنواع بواسطة تركيبات وانفعالات من مختلف أقسام الجماد والنبات والحيوان .
وسَواءً لِلسّائِلينَ أيسوّيناه وعدلناه استواء وتعديلًا تامّاً في إيجاد البركة وتقدير الأقوات يناسب حال سائليها ، أعني الأعيان المحتاجة إليها حاجة تكوينيّة طبيعيّة .
البحث الثاني : أمرها بالإتيان
في أنّها هي التي لمّا خلقها اللَّه وجعل فيها الجبال وقدّر فيها الأقوات ، أمرها بالإتيان أمراً تكوينيّاً وخطاباً مكنيّاً به عن إجرائها على طبق ما قصد من خلقها ، وما يقتضيه طبعها ؛ قال تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ « 3 » . فاستجابتها أمر الإتيان عبارة عن جريانها تكويناً على طبق ما جبلت عليه ، وأودع فيها من الاقتضائات .
إن قلت : يظهر من هذه الآية وما قبلها أنّ خلق الأرض وقع قبل خلق السماوات ، بشهادة قوله تعالى بعد بيان خلق الأرض : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ « 4 » ، وهو ينافي ما
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 155 و 166 ؛ الأنفال ( 8 ) : 41 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 140 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 11 .
( 4 ) . فصّلت ( 41 ) : 12 .