عبارة أخرى عن قوله تعالى : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا اقْوَاتَهَا . « 1 » إذاً فالتنافي على حاله ، ورفعه يكون بأحد وجهين :
أوّلهما : حمل كلمة « ثمّ » في آية فصّلت على التراخي الذكري ، فكأنّه قال : ثمّ أقول إنّه استوى إلى السماء . وهذا لا ينافي كون الاستواء مقدّماً على خلق الأرض ؛ فالنتيجة تقدّم خلق السماء على خلق الأرض بقوله في آية النازعات : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا .
وثانيهما : حمل قوله : بَعْدَ ذلِكَ في آية النازعات على التراخي الذكري ، كقوله تعالى :
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ، « 2 » فيبقى ظاهر آيات فصّلت على حاله ، والنتيجة حينئذٍ تقدّم خلق الأرض .
ولا يبعد رجحان الحمل الأوّل .
ثمّ إنّ الظاهر خروج قوله تعالى : أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا « 3 » وقوله : وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيَا « 4 » عن الأيّام السنة المجعولة مدّة لخلق السماوات والأرض ، فإيحاء أمر السماوات إنّما هو بعد تمام خلقها وانقضاء تلك المدّة ، كما أنّ تزيين السماء الدنيا بالمصابيح بعدها أيضاً . ولا يبعد حينئذٍ في أن نقول : انّ الأمر بإتيان الأرض وإجابتها له قد وقع بعد خلق السماوات والأرض .
والظاهر أنّ المراد من تزيين السماء الدنيا في هذه الآية يقارب المراد من قوله : أَمِ السَّماءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . « 5 » فالسماء فيها هو السماء الأوّل ، ورفع سمكها رفع مسموكاتها ، أيالكواب التي يراها أهل الأرض فوق رؤوسهم ، وتسويتها حفظ قواها الجاذبة ، وتعديل حركاتها ، وتدبير سيرها وثباتها . واغطاش الليل : إيجاد الظلمة في فضائها الخالية وفي بعض كراتها . وإخراج النهار : جعل
هامش
( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 10 .
( 2 ) . القلم ( 68 ) : 13 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 12 .
( 4 ) . تتمّة الآية .
( 5 ) . النازعات ( 79 ) : 27 - 29 .