حينئذٍ لا يكون وحياً من الملك ، بل من اللَّه ؛ لستره عن غير النبيّ صلى الله عليه وآله ، قال تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ « 1 » .
وقوله عَلِيُّ حَكيمٌ أنّه علا عن الارتباط مع عباده بغير هذه الوجوه وبنحو الملاقاة والرؤية ، حكيم في ارتباطه بهذه الأنحاء ، مدبّر به أُمور خلقه وهدايتهم إلى ما هو صلاحهم وفسادهم .
ومن ذلك يظهر حال الوحي إلى نبيّنا الأقدس صلى الله عليه وآله ، فإنّه كان يتلقّى الكلام من اللَّه بكلّ واحد من الأنحاء الثلاثة .
وعن مولانا الصادق عليه السلام سئل عن الغشية التي كانت تأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله أكانت عند هبوط جبرئيل ؟ فقال : « لا ، إنّ جبرئيل إذا أتى النبيّ صلى الله عليه وآله لم يدخل عليه حتّى يستأذنه ، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد ؛ وإنّما ذلك عند مخاطبة اللَّه إيّاه بغير ترجمان وواسطة » . « 2 » وأمّا خصوص القرآن : فمقتضى بعض الآيات وصول جميعه إليه بوساطة جبرئيل عليه السلام وإلقائه إلى قلبه ، إمّا إلهاماً وبلا واسطة السمع ، أو كلاماً وبواسطتها ، مع الرؤية أو بدونها ؛ قال تعالى : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ « 3 » أي أنّ جبرئيل نزّل القرآن على قلبك . وقولث تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ « 4 » .
وأمّا إسناد وحي القرآن إليه تعالى في بعض الآيات ، كقوله : بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ « 5 » ، وقوله : وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ « 6 » ، وقوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً « 7 » فهو من قبيل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا « 8 » ، وقوله تعالى :
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 51 .
( 2 ) . كمال الدين ، ص 85 - 86 ؛ بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 260 ، ح 12 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 97 .
( 4 ) . الشعراء ( 26 ) : 193 - 194 .
( 5 ) . يوسف ( 12 ) : 3 .
( 6 ) . الفاطر ( 35 ) : 31 .
( 7 ) . الشورى ( 42 ) : 7 .
( 8 ) . الزمر ( 39 ) : 42 .