تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
قلنا : إنّ بعض تلك المذكورات قد أنعمه اللَّه عليهم قبل أن يتولّوا ويعرضوا ، كنعمة الوجود ووسيلة الحياة والعقل وعرض الدين عليهم ، وقد عرفت عموم هذه النعم لجميع الناس نشأوا على الإسلام والفطرة ، أو تهوّدوا أو تنصّروا بتحريف المنحرفين ، وظاهر الآية الشريفة أنّ عدم الحبّ إنّما هو بعد الإعراض والتولّي ، فذلك خارج عن موضوع البحث في الآية . وأمّا بعد التولّي والعناد منهم فهناك آثار من الحبّ زائلة مقطوعة وآثار منه باقية ثابتة . أمّا الأولى فتوفيق اللَّه تعالى عبده وتأييده وتسديده لأن يرتقى مدارج الكمال في مرتبة عقائده الحقّة الثابتة المطلوبة ويحصّل فضائل النفس ومكارم الأخلاق ويعمل بمحاسن الأعمال ، فيترتّب عليها كماله المقصود من خلقه وفوزه بالعيش الهنيء الدنيوي والسعادة العالية الأخروية ، وهذه كلّها آثار لحبّ اللَّه تعالى ، وما أكثرها من آثار ونتائج وما أحسنها ، وهي تنقطع عن الكافر بعد تولّيه وإعراضه ، هذا مع ما يتوجّه إليه من الشرور في شتّى مراحلها النفسية والعملية وغيرها ، وهذا أيضاً من آثار انقطاع حبّه تعالى . وأمّا ما يرى من بقائهم على سلامة الأبدان ورفاه العيش واتّساع أبعاد الحظوظ الجسمانية والوصول إلى ما راموه من المحابّ واللذائذ الدنيوية ، فقد يتوهّم لذلك أنّ للَّه عليهم حبّاً وكرامة وأنّ لهم عنده حظّاً ومقاماً كلّا وليس كذلك ، بل ذلك نوع من المكر والخداع ، فاللَّه تعالى يخادعهم ويمكر بهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ؛ ليصلوا إلى أسفل الدرجات في شقائهم وانحطاطهم ؛ قال تعالى : « وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِاَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ » « 1 » .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 178 . .