جمعا للقوم فيقول : إن شريحا يقرئكم السلام ويقول أنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس
منه ا ه .
قال الشمني : فإن قيل أن أبا حنيفة لا يرى تقليد التابعي . أجيب بأنه لم يذكر فعل شريح مستدلا
به ، وإنما ذكره لبيان أنه لم يستبد بهذا القول بل سبقه إليه واستدلاله إنما هو بتجويز الصحابة فعل
شريح ، فإنه كان قاضيا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وعلي رضي الله تعالى عنه ، ومثل هذا
التشهير لا يخفى على الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين كانوا هم في زمنهم ، وما استدلا به : أي
الصاحبان من حديث عمر الآتي محمول على السياسة ا ه . والتشهير لغة : الرفع على الناس كما في
القاموس ، والابراز كما في المصباح ، وعند الفقهاء : ما نقل عن شريح وبعثه مع أعوان القاضي أعم
من أن يكون ماشيا أو راكبا ولو على بقرة كما يفعل الآن كما في البحر ، أو على حمار كما هو عرف
ديارنا . قوله : ( وزادا ) أي الصاحبان ضربه وحبسه ، لأنه ارتكب محظورا .
قال في البحر : ورجع في فتح القدير قولهما وقال : إنه الحق ، وهو قول الشافعي ، لأنه روى
عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطا وسخم وجهه .
قال المولى عبد الحليم : أقول : ولا يلزم من كون قولهما حقا أن يرجع على قوله : بل قوله هو
الحق ، ولهذا كان الفتوى عليه . وذكر في النهاية والمنبع معزيا إلى الحاكم الامام أبي محمد الكاتب أنه لو
رجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزر بلا خلاف ، وإن رجع على سبيل الاصرار يعزر بلا خلاف ،
وإنما الاختلاف فيما لم يعلم وجه رجوعه كما لا يخفى . قوله : ( أن يسحم وجهه ) السحم بضم السين
وسكون الحاء المهملتين : السواد ، وإن قال الطحطاوي : يقال سخم وجهه : إذا سوده من السخام ، وهو سواد القدور . وقد جاء بالحاء المهملة من الأسحم وهو الأسود ، وفي المغني : ولا يسخم وجهه
بالخاء والحاء . كمال ا ه . قوله : ( إذا رآه سياسة ) بأن كان الشاهد ليس من أهل الشهامة ولا يؤثر به
التشهير إلا هذا الفعل اللائق به الزاجر له الرادع لأمثاله ، لكن قدم الشارح في آخر باب حد القذف ما
يخالف هذا حيث قال :
واعلم أنهم يذكرون في حكم السياسة أن الامام يفعلها ، ولم يقولوا القاضي ، وظاهره أن
القاضي ليس له الحكم بالسياسة ولا العمل بها فليحرر . ولعل قوله إذ رآه سياسة محمول على ما إذا
فوض الامام له الاحكام والسياسة لأنه نائبه ، والنائب كالأصيل في مثل هذه ، فتأمل . لكن قال
القهستاني : لا يسود إجماعا ا ه .
أقول : ويؤيده ما في الذخيرة البرهانية ، والذي روي عن عمر رضي الله تعالى عنه في شاهد
الزور أنه يسخم وجهه ، فتأويله عند شمس الأئمة السرخسي أنه قال ذلك بطريق السياسة إذا رأى
الامام المصلحة فيه ، وتأويله عند شيخ الاسلام أنه لم يرد به حقيقة التسويد ، وإنما أراد به التخجيل
بالتفضيح والتشهير ، فإن انخجل يسمى مسودا ، قال الله تعالى : * ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه
مسودا وهو كظيم ) * ( النحل : 58 ) . قوله : ( إن رجع مصرا ) أي على ما كان منه ، مثل أن يقول شهدت
في هذه بالزور ولا أرجع عن مثل ذلك . فتح . قوله : ( ضرب إجماعا ) أي وشهر ط . قوله : ( وإن تائبا
تكملة حاشية رد المحتار — صفحة 662
مساهمون: ابن عابدين ( علاء الدين )
ص٦٦٢