فإنّ في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلّا العالمون ، ودقائق ولطائف لا يتنبّه لها إلّا المخلصون . فرُبّ مرحلة من مراحل التقوى لا يصدّق الفهم العامّي بكونها ممّا تستطيعه النفس الإنسانية ، فيجزم بكونها غير مستطاعة ، وإن كان أهل التقوى الحقّة خلّفوها وراء ظهورهم ، وأقبلوا بهممهم على ما هو أشقّ وأصعب .
فمحصل الآيتين
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
و
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حقّ التقوى ، ثمّ يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا . وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلّا أنّهم في مراحل مختلفة ، وعلى درجات متفاوتة ، على طبق ما عندهم من الأفهام والهمم ، وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده ، فهذا ما يعطيه التدبّر في معنى الآيتين . حيث تدعو
الأولى إلى المقصد والثانية تبيّن كيفية السلوك » « 1 » .
ممّا تقدّم يتّضح أنّ التقوى ليست مقاماً دينياً خاصّاً ، بل هي حالة روحية تجامع جميع المقامات المعنوية ، أي أنّ لكلّ مقام معنوي تقوى خاصّة تختصّ به . وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مراتب عباده ، وذكر لكلّ مرتبة نوعاً من العلم والمعرفة والعمل ، لا يوجد في المرتبة الأخرى . فمثلًا ذكر الموقنين وخصّ بهم مشاهدة ملكوت السماوات والأرض ، حيث قال :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 3 ص 367 . بتصرّف .