وكذلك ترك على أخته زينب عليها السلام آثارا من الصبر الجميل حين
عزاها وأوصاها في كربلاء ، قائلا لها : يا أختاه ! تعزي بعزاء الله ، فإن سكان
السماوات يفنون ، وأهل الأرض كلهم يموتون ، وجميع البرية يهلكون ( 1 ) .
فزرع في قلبها الصبر والثبات ورباطة الجأش ، فنهضت بأعباء مسؤوليات تنوء
من حملها الجبال الرواسي ، وتحملت مصائب وآلاما تنهد لهولها عزائم الرجال
الأشداء . . فهي التي شهدت واقعة الطف بكل مآسيها وفجائعها ومصائبها
ونكباتها ، وعانت الجوع والعطش ، وكلفت بجمع الأرامل واليتامى ، وانتشال
الأطفال من تحت حوافر الخيل ، وستر العيال في خيمة ، والأسر إلى الكوفة
والشام مربطين بالحبال هدية إلى الطاغية عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية ،
والسفر إلى المدينة بعد وقوف حزين في كربلاء يوم أربعينية أبي عبد الله
الحسين صلوات الله عليه ، تبكي عليه وعلى إخوتها وولديها وأولاد إخوتها
وبني عمومتها والخلص من الأصحاب الشهداء الأبرار .
وفي المدينة أبلت البلاء الحسن في عرض وقائع فاجعة الطف العظمى ،
فألهبت العواطف ، وألبت القلوب ، وخلقت ثورة في المدينة بانت - فيما بعد
- آثارها ، فترجمت إلى ثورات انفجرت ضد الحكم الأموي حتى زلزلته
ودمرته .
وهكذا تستحق أن توصف بما وصفتها الزيارة الزينبية :
سلام على من ناصرت الحسين في جهاده ، ولم تضعف عزيمتها بعد
استشهاده . سلام على قلب زينب الصبور ، ولسانها الشكور . سلام على من
تظافرت عليها المصائب والكروب ، وذاقت من النوائب ما تذوب منها
هامش
1 - زينب الكبرى ( ع ) : 119 .