وقال : اللهم اشهد على هؤلاء ، فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمد
خلقا وخلقا ومنطقا ، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه . . ونزل علي
الأكبر إلى ساحة القتال وعين أبيه الحسين تلاحقه ، حتى اشتد به العطش بعد أن
قتل عددا من الفرسان ، فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما أجهده من العطش ،
فبكى الحسين رحمة ، وقال له : وا غوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدك ، فيسقيك
بكأسه شربة لا تظمأ بعدها . وأخذ لسانه فمصه ، ودفع إليه خاتمه ليضعه في
فمه .
فعاد علي الأكبر إلى الميدان يكثر القتلى في أهل الكوفة ، حتى طعنه
مرة بن منقذ العبدي بالرمح في ظهره ، وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته ،
واعتنق فرسه فاحتمله إلى معسكر الأعداء وأحاطوا به حتى قطعوه بسيوفهم
إربا إربا ( 1 ) . ففجع به أبوه الحسين عليه السلام . وأتاه وانكب عليه واضعا
خده على خد ولده وهو يقول : على الدنيا بعدك العفا ، ما أجرأهم على
الرحمن ، وعلى انتهاك حرمة الرسول . . وأمر فتيانه أن يحملوه إلى الخيمة ،
فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه ( 2 ) .
إن هذا العطاء ما لا يتحمله إلا السخاء الحسيني الذي لم يقف عند هذا
الحد ، فقد قدم بعد ذلك عبد الله بن مسلم بن عقيل ابن أخته رقية الكبرى ،
ومحمدا وعونا ابني عبد الله بن جعفر الطيار ، ابني أخته زينب الكبرى عليها
السلام ، وعبد الرحمن وجعفرا ولدي عقيل بن أبي طالب ، ومحمد بن مسلم بن
عقيل ، وأخاه محمد بن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وعبد الله
هامش
1 - مقتل الحسين عليه السلام 2 : 31 .
2 - الإرشاد . وتاريخ الطبري 6 : 256 . ومقتل الحسين عليه السلام 2 : 31 .