الحسن المجتبى عليهما السّلام : « فتفهم - يا بنىّ ! - وصيّتى ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفنى هو المعيد ، وأنّ المبتلى هو المعافى ، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ الّا على ما جعلها اللّه عليه من النّعمآء والابتلاء والجزاء في المعاد . أو ما شاء ممّا لا تعلم ؛ فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك ، فإنّك أوّل ما خلقت به جاهلا ، ثمّ علّمت . وما أكثر ما تجهل من الأمر ، ويتحيّر فيه رأيك ، ويضلّ فيه بصرك ثمّ تبصره بعد ذلك ! فاعتصم بالّذى خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك ، واليه رغبتك ، ومنه شفقتك . » « 1 »
هذا ، مع ما رأيناه كثيرا من تحقّق العجائب العلميّة والاجتماعيّة الّتى لم يكن يزعم وقوعها أحد من النّاس ، فكيف يمكن انكار وقوع أمور أخر غير منتظرة إلى آخر العالم وفنائه ؟
فإنكارنا وانكار بعض السّلف لكثير من الأمور انّما يكون ناشئا من الجهالة البشريّة الرّاسخة . قال سبحانه :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
« 2 » ، وقال علىّ بن الحسين عليهما السّلام في جواب من سأله عن علّة احتجاب الخلق عن نفسه قال :
« لأنّ اللّه تبارك وتعالى بناهم [ يعنى الخلق ] بنية على الجهل . » « 3 »
وقال أمير المؤمنين علىّ عليه السّلام : « النّاس أعداء ما جهلوا . » « 4 » ، وقال عليه السّلام : « المرء عدوّ ما جهل . » ، وقال عليه السّلام : « الجاهل يستوحش ممّا يأنس به الحكيم . » ، وقال عليه السّلام أيضا : « من جهل علما ، عاداه . » « 5 » ، وقال عليه السّلام : « من ادّعى من العلم غايته ، فقد أظهر من جهله نهايته . »
والغرض من هذا الّتمهيد تنبيه القارئ العزيز على أنّ أكثر المباحث المطروحة في هذه
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الكتاب 31 .
( 2 ) يونس : 39 .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 15 ، الرّواية 2 .
( 4 ) الغرر والدّرر الموضوعي ، باب الجهل ، وكذا ما بعده من الحديثين .
( 5 ) الغرر والدّرر الموضوعي ، باب العلم ، وكذا ما بعده .