جاءت به الرّسل حرفان ، فلم يعرف النّاس حتّى اليوم غير الحرفين ، فإذا قام قائمنا عليه السّلام ، أخرج الخمسة والعشرين حرفا ، فبثّها في النّاس ، وضمّ إليها الحرفين ، حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفا . » « 1 »
أقول : ما يمكن أن يقال في مقام الجمع بين روايات الباب ، ويشهد عليه بعض فقرات الأحاديث أيضا ، هو أن الرّسول صلّى اللّه عليه واله كان يأمر ويسير ويعمل في أمور المجتمع ويبيّن للنّاس الوظائف الإلهيّة مراعيا لمقتضى حال افراد زمانه ، ويتكلّم معهم بمقتضى حديث « إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم . » « 2 » والمعصومون من أوصيائه عليهم السّلام أيضا يعملون ويأمرون بما عمل وأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، كما أنّ حديث الهروىّ - الحديث الثّانى عشر - شاهد صدق على أنّهم عليهم السّلام غير مأمورين بأن يعملوا على ما يعمل به الحجّة عليه السّلام ونحن أيضا مأمورون في عصر الغيبة أن نعمل بما وصل الينا من ظواهر الكتاب والسّنّة بما بيّنه فقهائنا .
وبما أنّ عقول النّاس عند عصر الغيبة تصل إلى أعلى مراتب كمالها ، فلا محالة تصل النّوبة إلى أن تجرى الأحكام الفطريّة الإلهيّة وتنفذ ، وتعمل بها بأعلى مراتبها تامّة كاملة ، وتدلّ عليه جملة « لأنّكم أهل البصاير » في الحديث الرّابع ، وجملة « كملت أحلامهم » في الحديث التّاسع عشر . وذلك ليس بمعنى أنّ الحجّة عليه السّلام يسير بغير سيرة النّبىّ الأعظم صلّى اللّه عليه واله ، فقوله عليه السّلام : « يبطل ما كان في الهدنة » في الرّواية الثّانية ، وكذا جملة « يستقبل بهم العدل . » في هذه الرّواية وما شابهها ، ممّا تدل على أنّه عليه السّلام في مقام أن يقيم العدل بأعلى مراتبه ؛ فإنّ الحكم العدل هو الحكم الموافق للواقع جزما ، والواقع هو الموافقة مع الفطرة ؛ قال عزّ اسمه :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 3 »
هامش
( 1 ) سفينة البحار ، ج 2 ، ص 227 ، مادّة « علم » .
( 2 ) سفينة البحار ، ج 2 ، ص 214 ، مادّة « عقل » .
( 3 ) الرّوم : 33 .