بالنصف الآخر ، وكان على ذلك الحال مدة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلا ، فاتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي ، فاشتدّ جوعه وقلّ هجوعه ، فصلى العشائين وبات في تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع ، فلم يتيسّر له شيء ، وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى ، فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخا منهم ، فأعطاه رغيفين من خبز الشعير ، فأخذهما وتوجّه إلى الجبل ، وكان في دار ذلك الشيخ كلب جرب « 1 » مهزول ، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله ، فألقى عليه العابد رغيفا من ذينيك الرغيفين ليشتغل به عنه ، فأكل الكلب الرغيف ولحق العابد مرة أخرى وأخذ في النباح والهرير ، فألقى إليه العابد الرغيف الآخر ، فأكله ولحقه تارة ثالثة ، واشتد هريره « 2 » وتشبّث بذيل العابد ومزّقه ، فقال العابد : سبحان اللّه ! إني لم أر كلبا أقل حياء منك ، إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذتهما منّي ، ماذا تطلب بهريرك وتمزّق ثيابي ؟ فأنطق اللّه تعالى الكلب فقال : لست أنا قليل الحياء ، إعلم أني ربيت في دار ذلك النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره وأقنع بما يدفع إلي من خبز أو عظام ، وربّما نسيني فأبقى أياما لا آكل شيئا ، بل تمضي أيام لا يجد هو لنفسه شيئا ولا لي ، ومع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ، ولا توجهت إلى باب غيره ، بل كان دأبي أنه إن حصل شيء شكرت وإلا صبرت ، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر ولا كان لك تحمّل ، حتى توجّهت من باب رزّاق العباد إلى باب نصراني ، وطويت كشحك « 3 » عن الحبيب وصالحت عدوّه المريب ، فقل أيّنا أقل حياء أنا أم أنت ؟
فلما سمع العابد ذلك ضرب بيده على رأسه وخرّ مغشيا عليه .
هامش
( 1 ) الجرب داء يحدث في الجلد بثورا .
( 2 ) الهرير صوت الكلب دون النباح .
( 3 ) طوى كشحا : أعرض .