عليَّ من وجعي ، إنّي وَلِيتُ أمركم خيركم في نفسي ، فكلّكم وَرِمَ من ذلك أنفُه « 1 »
يريد أن يكون الأمر له ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تُقبل ، ولهي مقبلة حتّى تتّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج « 2 »
، وتألمون الاضطجاع على الصوف الآذري « 3 »
كما يألم أحدكم أن ينام على حَسَك السَّعدان « 4 »
. واللَّهِ لَئن يَقْدم أحدكم فيضرب رقبته في غيرٌ حدٍّ ، خير له من أن يخوض غمرة الدنيا ، وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً فتضربون عن الطريق يميناً وشمالًا ، يا هادي الطريق ، إنّما هذا الفجر أو البحر « 5 »
. فقلت : خفِّضْ عليك رحمك اللَّه ؛ فإنّ هذا يهيضك عمّا بك ، إنّما الناس في أمرك بين رجلين ، إمّا رجل رأى ما رأيتَ فهو معك ، وإمّا رجل خالفك فإنّما يسير عليك برأيه وصاحبك كما تحب ، ، فلا نَعلمك أردتَ إلّاخيراً ، ولم تزل صالحاً مصلحاً مع أنّك لا تأسى على شيءٍ من الدنيا .
فقال أبو بكر : أجل ، لا آسى على شيء من الدنيا إلّاعلى ثلاث فعلتُهنّ وددتُ أنّي لو تركتُهنّ ، وثلاث تركتُهنّ وددتُ أنّي فعلتُهنّ ، وثلاث وددتُ لو أنّي سألتُ عنهنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم .
فأمّا التي وددت أنّي تركتهنّ :
هامش
( 1 ) . أي اغتاظ من ذلك ، وهو من أحسن الكنايات المستعملة عند العرب ؛ لأنّ المغتاظ يَرِم أنفُهويحمرّ ( راجع : النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج 1 ص 76 « أنف » ) .
( 2 ) . نضائد الديباج : أي الوسائد ، واحدها نَضيدة ؛ وهي الوسادة وما حُشي من المتاع ( لسان العربلابن منظور ج 3 ص 424 « نضد » ) .
( 3 ) . قال المبرّد : الآذري منسوب إلى آذربيجان ، وكذلك تقول العرب ( لسان العرب ج 14 ص 286 « ذرا » ) .
( 4 ) . السَّعدان : نبت ، وهو أفضل مراعي الإبل . . . ولهذا النبت شوك يقال له حَسَك السَّعدان ، وهو يشبه حلمة الثدي ( الصحاح ج 2 ص 488 « سعد » ) .
( 5 ) . فضرب الفجر والبحر مثلًا لغمرات الدنيا ( النهاية ج 3 ص 413 « فجر » ) .