شرح
ولعلّ دعوى الجواز مستندة إلى أنّه كما كان المكلّف مخيّراً عقلًا في ابتداء الأمر بين تحصيل ملكة الاجتهاد ، وبين الرجوع إلى العالم الخبير ، ولم يكن تقدّم لأحد الأمرين على الآخر ، كذلك هذا التخيير العقلي ثابت بحاله مع تحصيل الملكة وعدم تحقّق الاستنباط الفعلي ؛ لأنّه بمجرّد حصول القدرة وتحقّق الملكة لا يصدق عليه عنوان العالم الخبير ، فلا مانع من الرجوع إلى الغير الذي تصدّى للاستنباط واستخرج الحكم من المدارك ؛ فإنّه أيضاً من رجوع الجاهل إلى العالم ، فلا فرق بين الصورتين .
وأمّا بالنظر إلى السيرة ، فمن الواضح عدم ثبوت السيرة على رجوع من له الملكة إلى المستنبط الفعلي ؛ سواء كان المراد بالسيرة هي السيرة المتشرّعة الثابتة في باب التقليد ، أم كان المراد بها هي السيرة العقلائية الثابتة في جميع موارد رجوع الجاهل في كلّ فنّ وصنعة إلى العالم به والمطّلع عليها .
أمّا على الأوّل : فواضح ؛ لعدم ثبوت سيرة المتشرّعة في باب التقليد على رجوع الواجد للملكة إلى المستنبط الفعلي ، ولا أقلّ من الشكّ في الثبوت وعدمه ، وهو يكفي في عدم الجواز .
وأمّا على الثاني : الذي هو العمدة في باب التقليد ؛ لأنّه من مصاديق رجوع الجاهل إلى العالم ، والمتشرّعة قد استقرّت سيرتهم على ذلك بما هم عقلاء ، وكون الجهل بالحكم الشرعي أحد مصاديق الجهل . فمن الواضح كما يظهر بمراجعة العقلاء عدم ثبوت سيرتهم على الرجوع في مثل المقام ، فهل يرجع الطبيب غير العارف بالدواء مع التمكّن من العلم به لو صرف ساعة من الزمان أو ساعتين مثلًا إلى غيره العارف ؟ ! وهل يكون على - تقدير الرجوع - معذوراً عند العقلاء لو كان تشخيص الغير الذي رجع إليه مخالفاً للواقع ؟ ولا أقلّ من الشكّ في ثبوت السيرة