شرح
أضف إلى ذلك أنّه يوجب التهمة للقضاة إن مشوا على نهج الحقّ والطريقة الوسطى ، كما مرّ في بعض الأحاديث الحاكية عن طلب بعض الأنبياء ( ع ) من الله تعالى أن يكون عالماً لا من الطرق الحسّية والعادية بالواقع ، ثمّ لمّا استجيبت دعوته وحكم بمقتضاه تعجّب الناس وتحدّثوا بما يدلّ على سوء ظنّهم بحكم النبي ( ص ) فطلب من الله أن يرفع هذا العلم فرفع ، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الأنبياء ( ع ) فما ظنّك بغيرهم .
فعلى هذا فتح باب هذه العلوم في المحاكم الشرعية يوجب سلب اعتماد الناس عنها وقد يكون سبباً لأن تزلّ أقدام القضاة .
ويؤيّده أيضاً أنّا لم نسمع في القضايا المنقولة عن النبي ( ص ) ووصيّه أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين من بعده ( ع ) حكمهم بالمبادئ الحدسية والعلم الحاصل منها .
إن قلت : أليس ما مرّ في بعض الروايات عن أمير المؤمنين ( ع ) من فهم صدق المرأة في دعواها ولادة الولد من زوجها الذي كان شيخاً كبيراً ، بضعف الولد عن القيام كسائر أترابه من الصبيان ، من العلم الحاصل من المبادئ الحدسية ومع ذلك قد حكم ( ع ) بلحوق الولد بمثل هذا الزوج ؟
قلت : قد عرفت أنّ الحديث المذكور لا يخلو من الإشكال سنداً ودلالة ، أمّا الأوّل فلكونه مرسلًا ، وأمّا الثاني فإنّ مجرّد ذلك قد لا يوجب العلم بولادة الولد من أب شيخ ، فلعلّ عدم قدرة الصبيّ عن القيام كان لمرض فيه أو ضعف من ناحية أخرى ، فلابدّ من حمله على محامل أخرى أو ردّ عمله إلى أهله ، ولا يمكن الركون إليه في مثل هذه المسألة .