شرح
إلى هنا تمّ الكلام في ما استدلّ أو يمكن الاستدلال به على حجّية علم القاضي ممّا وجدناه في طيّات كتب الحديث وسنتكلّم إن شاء الله فيما يستفاد من مجموعها .
نتيجة الكلام في مسألة حجّية علم القاضي :
تبيّن من جميع ما ذكرناه من الأدلة ، ومن ضمّ الأحاديث المتظافرة بعضها إلى بعض ، وجبر ضعف بعضها بقوّة بعض ، اعتبار علم القاضي إجمالًا من دون اختصاصه بالإمام المعصوم ( ع ) ، ولكنّ القدر المتيقّن منها اعتبار العلم الحاصل من « المبادئ الحسّية » أو « القريبة من الحسّ » .
والمراد منها ملاحظة القرائن الحسّية التي تدلّ على المقصود ، دلالة يقبلها كلّ من رآها ، أو جلّ من رآها ، لابتنائها على مقدّمات حسّية .
فمثل نزاع المرأتين في الولد ، وطلبه ( ع ) المنشار ، ورقّة الامّ ، إلى آخرها ، وكذا قضيّة نزاع المولى والعبد والأمر بضرب عنق العبد وما أشبه ذلك ، كلّها من هذا القبيل ، ولذا يحصل العلم منها لكلّ من رأى هذه المقدّمات .
أمّا لو حصل العلم من مقدّمات ظنّية حدسية ، وحصل من تراكم هذه الظنون علم حدسيّ ، كما هو المعمول به في بعض القوانين الموجودة في عصرنا ، يشكل الحكم به ، لعدم الدليل على حجّية مثل هذا العلم في باب القضاء ، وقد عرفت أنّ الأصل في المقام ، وعدم حجّية قضاء أحد على أحد إلا ما ثبت بالدليل .
وممّا يؤيّد عدم اعتبار القسم الأخير أنّه لو كان حجّة كان مظنّة لانحراف القضاة عن مسير العدل والقضاء الشرعي لأنّهم ليسوا بمعصومين ، وقد مرّت فتوى بعض فقهاء العامّة ، وأنّه كان يفتي بحجّية علم القاضي في أوّل أمره ، ثمّ لمّا رأى آثاره الفاسدة رجع عن فتواه وأفتى بعدم حجّيته مطلقاً « 1 » .
هامش
( 1 ) . مرّ ذلك عند نقل الأقوال عن الشافعي . .