وحيث إنّ الحكم الإلهي بطبيعة حاله ، لا يؤثّر في جميع النفوس إلا من شملته العناية الربّانية ، وحسنت سريرته الإنسانية ، فلابدّ من ضمّ التبشير والإنذار إلى هذه القوانين ، كيما تكون سبباً لحركة الناس إليه وإيجاد الدواعي الفاعلة لديهم .
وحيث إنّ البشارات والإنذارات الإلهية الأخروية غير كافية لردع كثير من الناس عن مظالمهم ومعاصيهم ، وحملهم على العمل بوظائفهم والتمسّك بواجباتهم ، فلابدّ من عقوبات دنيوية رادعة لمن تعدّاها ، أو تركها ، وهذا ما يسمّى في العرف بضمانة الإجراء ، ومعناها أنّ جعل القانون شيء وإجراءَه بين الناس شيء آخر ، والذي يضمن إجراءه أو حسن إجرائه هي العقوبات المترتّبة على مخالفته ، بل يجعلون هذا من الشرائط الأصلية والعناصر الذاتية للقوانين ، بحيث لو خلا قانون عن ضمانة الإجراء لا يسمّى عندهم قانوناً ، بل هو نصيحة ووصيّة وحكم أخلاقي ، لا قانون اجتماعي ، فخلوّه عن ضمانة الإجراء التي هي من أركانه يعدّ كالعدم .
نعم ، ضمانة الإجراء في القوانين العقلائية منحصرة في العقوبات الدنيوية ، بينما يتّسع نطاقها في الشرع والدين بحيث يستوعب مساحة واسعة جدّاً ، فالإيمان بالغيب والاعتقاد بيوم المعاد والتقوى الإلهية وأمثالها ، من أقوى الضمانات الإجرائية وأكثرها تأثيراً ، ولذا قلّما يرى في المجتمعات المسلمة المؤمنة غصب الحقوق والاعتداء على الناس حتّى مع عدم وجود عقوبات وحدود .
لكن مع ذلك ، فالشارع المقدّس لم يغفل عن ضمانة الإجراء الدنيوية ، ولذا جعل الحدود والتعزيرات كعامل مساعد للوصول إلى هذه الأهدف العالية والمقاصد الشريفة ، والتأكيد على الضامن المعنوي كما ورد في روايات عديدة :
أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) — صفحة 4
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤