تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
لوحه من جديد ، وبعد ساعة أو أكثر يستمع له بنفسه ، إنه لا يقدر أحد من الطلبة أن يتنفس أمامه من شدة خوفه وهيبته منه . إنه رحمه اللّه تعالى ما رؤي في غرفته الدراسية ضاحكا أو مبتسما قط ، إنه إذا أراد ضرب أحد الطلبة بالعصا في رجليه يضع المنديل على فمه ولا يظهر منه إلا عينيه المفزعتين . إنه رحمه اللّه تعالى كان في ليالي رمضان في صلاة التروايح مع المدرسة بالمسجد الحرام يمر على جميع أئمة التراويح من طلبته ليستمع قراءتهم ، وكان يصلي التراويح وراء الصفوف حتى لا يراه أحد من طلبته فيفزع منه فيغلط في القراءة . كان رحمه اللّه تعالى هذا دينه مع عظيم ديانته وصلاحه وتقواه . وكان رحمه اللّه تعالى من شدة حفظه للقرآن الكريم حفظا جيدا يستمع لثلاثة من الطلبة في آن واحد وفي سور مختلفة ، يضعهم أمامه وكل واحد منهم يقرأ لوحه ، فإذا غلط أحد منهم يردّ عليه في ساعته وهذه الحالة نادرة جدا لا يقدر عليه إلا من فتح اللّه قلبه ونوّر بصيرته ، ففي القرآن الكريم :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
لكن للّه خرق العوائد واليوم لا يوجد أحد مثله قط لا في الحجاز ولا في غيرها . والحق يقال إن تحفيظ القرآن الكريم لا يصلح له إلا مثل هذا الرجل فإن تحفيظ القرآن لا يصلح له التساهل واللين بل لا بد من الشدة والصرامة . وهناك من الأساتذة من أهل الصلاح والتقوى والفضل والاستقامة كثيرون وكلهم واللّه كانوا من الأخيار ولو شئنا أن نكتب عن فضائلهم لطال بنا المقام ، وأما مدير مدرسة الفلاح بمكة الشيخ عبد اللّه حمدوه السناري ومدير مدرسة الفلاح بجدة الشيخ حسين مطر فإنهما من الفضل والعلم والتقوى والحكمة والسياسة بمكان عظيم ، إنه لم يأت بعدهما أحد مثلهما ، وإن كنا نعترف بفضل الجميع ونحترمهم . فمن علامة آخر الزمان أنه لا يأتي زمن إلا والذي قبله خير منه ، وإن من ينظر إلى التعليم والتربية في وقتنا الحاضر ومن ينظر إليه في الزمن الماضي يدرك الفرق العظيم بينهما ويشهد لهذا كل المعمرين الفضلاء من زملائنا الكرام بارك اللّه تعالى في حياتهم الغالية ، وليس في هذا أدنى ريب ومن لم يعترف بهذا فهو من المكابرين الجهلاء .