للحاق مولد سيدنا موسى عليه السلام . وأهل تلك الجهة يحتفلون بهذا المولد احتفالا عظيما جدا ، ذلك أنهم بعد صلاة الجمعة التي قبل سبت النور يذهب المتصرف والقاضي والمفتي ومشايخ الحرم الشريف وأرباب الطرق وأرباب الدولة من ملكيين وعسكريين في آلاف من الناس من عرب واهلين وحاجين ويجتمعون حول شجرة الزيتون التي في حوش الحرم بين مصطبة الصخرة والمسجد الأقصى ، وهذه الشجرة ينسبونها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ويقولون أنه هو الذي غرسها بمكانها هذا .
وهنا لك ينشرون جملة أعلام يسمون بعضها بعلم النبي وبعضها بعلم داود وبعضها بعلم موسى وبعضها بأعلام الصخرة . ويسير الموكب من الحرم الشريف إلى مشهد موسى عليه السلام وهو على مسافة ست ساعات من بيت المقدس في الجهة الشرقية الجنوبية ، وهناك ينتهي الاحتفال الذي يبدأ به المولد ويستمر خمسة عشر يوما في الجبل وتقام فيه الأسواق لبيع ما يلزم للأعراب القاطنين بتلك الجهات .
أما الصخرة الشريفة فقد كانت قبلة للمسلمين بعد ما فرضت الصلاة مدة ستة عشر شهرا حتى أمرهم اللّه تعالى بتوجيه وجوههم إلى الكعبة المكرمة في السنة الثانية للهجرة وهي صخرة كبيرة ضربت عليها قبة عظيمة جدا فيها من أعمال القيشاني والفسيفساء - الموزاييك - والنقوش الذهبية وغيرها ما يدهش الفكر ويحار له العقل . وهذه الأعمال من عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد ، وللمأمون فيها أثر عمارة تشكر . وقد أصلح الحاكم بأمر اللّه قبتها وضرب عليها قبة أخرى من الخشب لتحفظها من عبث الأمطار وتأثير الأجواء ، وارتفاع الأولى منهما وهي السفلى 50 ، 11 مترا وقطرها عشرون مترا . أما الثانية - العليا - فارتفاعها ثلاثون مترا . ولقد عمّرها صلاح الدين الأيوبي بعد أن عبث الصليبيون بها وحولوها إلى كنيسة وجعلوا هيكلها فوق الصخرة ، ثم عمّرها السلطان سليمان القانوني . وهذه القبة الآن آية من آيات الصناعة الرومية والعربية القديمتين مما يستعصي على عمال زمننا الحاضر إصلاح ما اعتل منها وهي قائمة على قاعدة مثمنة الشكل طول كل ضلع منها 40 ، 20 مترا وحوائطها مكسوة بألواح كبيرة من المرمر فيها نقوش طبيعية جميلة جدا ومتناسبة مع بعضها تناسبا غريبا حتى ليتخيل للإنسان أنها مرسومة بيد الرسامين الماهرين لا بيد هذه الطبيعة المتواضعة التي لا تريد أن تعلن عن نفسها بأي حال من الأحوال . وأرضية القبة من الداخل مفروشة بالرخام المجزع وحوله أعمال الموزاييك المرمرية من ألوان مختلفة . أما
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 377
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٧٧