تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وتعظيما لشأنها فلا يجترئ أحد أن يبني بجوارها دارا ولا جدارا - فلما آل الأمر إلى قصي بن كلاب الذي كان قبل الهجرة بنحو مائة وثلاثين سنة ، جمع قومه بطون قريش وأمرهم أن يبنوا حول الكعبة بيوتا من جهاتها الأربعة ، وقال لهم : إن سكنتم حول الكعبة هابتكم الناس ولم تستحل قتالكم والهجوم عليكم ، فبدأ هو أولا ببناء دار الندوة في الجانب الشمالي للكعبة وهو فسحة باب الزيادة ، ثم قسم قصي باقي الجهات بين قبائل قريش فبنوا بيوتهم حولها فكان ذلك أول بدء البنيان حول الكعبة ، فكل من بنى بيتا من قبائل قريش حول الكعبة سمي ( قريش البواطن ) وكانوا يبنون بيوتهم مدورة الشكل تعظيما للكعبة فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير وعندئذ قالت قريش : ربع حميد بيتا إما حياة وإما موتا ، أي تخوفوا عليه من الانتقام الإلهي حيث خالف عادة العرب فبنى بيته مربعا فأشبه تربيع الكعبة . قال الأزرقي : كانت دار حميد بن زهير اللاصقة في ظهر الكعبة ، كانت تفيء على الكعبة بالعشي وتفيء الكعبة عليها بالبكرا ، ولقد كانوا يجعلون ارتفاع بيوتهم أقل من ارتفاع الكعبة احتراما لها ، فكان شيبة ابن عثمان لا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه . فعلم مما تقدم أن قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر قريشا أن تبني بيوتها حول الكعبة بمكة ، لا تهاونا بأمرها وإنما ملاذا بها حتى تهابهم الناس فلا يستحلون قتالهم ولا يهضمون حقوقهم ، كما أنه هو أول من بنى دارا قبل قريش وهي دار الندوة لتقتدي قريش به في بناء بيوتها ، وانظر إلى حكمة قصي في بدء بناء دار الندوة قبل بناء دار خاصة لنفسه ، فدار الندوة هي عبارة في عرفنا ونطلق عليها في عصرنا هذا " قصر الحكم " أو " دار البرلمان " أو " مجلس الوزراء " أو " دار الإمارة " لأن دار الندوة كانت قريش لا تبرم أمرا إلا فيها ولا يقبل فيها من غير بني قصي إلا من بلغ سن الأربعين ويدخلها بني قصي جميعا كبيرهم وصغيرهم ، وغير ذلك من الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يكون عضوا فيها . الابتداء ببناية هذه الدار التي هي في مصلحة كل قبائل قريش قبل بناء بيوتهم بل حتى قبل بناء بيت لحاكم مكة هو عين الصواب والحكمة . ولم تكن في صدر الإسلام بيوت مكة تكرى ولا تباع . قال الإمام الأزرقي في تاريخه : عن علقمة بن فضلة : كانت الدور والمساكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم ما تكري ولا تباع ولا تدعى إلا السوايب ،
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 76 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )