المسجد الحرام ، فرأى أمير المؤمنين المعتضد باللّه العباسي أن ذلك لا يليق بكرامة المسجد الحرام ، وأن المسجد قد ضاق بالمصلين فهو في حاجة إلى الاتساع والزيادة ، فأمر رحمه اللّه تعالى وأحسن إليه ، أن تهدم دار الندوة وتنظف وتلحق بالمسجد للصلاة والعبادة وكان ذلك سنة 281 للهجرة .
ولقد اختلف الناس في موضع دار الندوة على ثلاثة أقوال فمنهم من يقول :
أن مكانها هو مكان المقام الحنفي ، ومنهم من يقول : أن مكانها لا يعرف بالضبط ، ولكنها كانت واقعة بين المقام الحنفي ورواق باب الزيادة ، ومنهم من يقول : أن مكانها هو رحبة باب الزيادة بما في ذلك الحصباء والرواق .
ولقد أردنا ترجيح أحد هذه الأقوال منذ ثلاث سنوات حينما كنا نشتغل بتأليف كتابا " مقام إبراهيم عليه السلام " ، ولكنا لم نهتد إلى دليل قوي لترجيح شيء منها ، غير أن اللّه سبحانه وتعالى هدانا الآن إلى تحقيق ذلك بما لا يقبل الشك والريب فله الحمد والشكر فهو مفتاح العليم .
فنقول : إن محل دار الندوة وفنائها هو رحبة باب الزيادة بما في ذلك الحصباء والرواق ونستدل على هذا بأربعة أمور :
" الأمر الأول " : أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهم اشترى كل منهم في خلافته الدور المتلاصقة للمسجد الحرام فهدمها وأدخلها في المسجد الحرام ليتسع ، فلو كانت دار الندوة في محل المقام الحنفي لهدمت وأدخلت في المسجد الحرام في زمن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان ، لقرب مقام الحنفي من الكعبة ولكان من العبث والكذب أن يقال أن المعتضد باللّه أدخل دار الندوة في المسجد الحرام .
" والأمر الثاني " : أن أمير المؤمنين محمد المهدي العباسي زاد في المسجد الحرام سنة 164 زيادات كثيرة ، وهو الذي أمر أن يجعل المسجد الحرام على هيئة التربيع حتى تقع الكعبة المشرفة في وسطه كما هو الآن ، فلو كانت دار الندوة داخل التربيع لذكرها المؤرخون .
" والأمر الثالث " : أن الذي أدخل دار الندوة في المسجد الحرام هو أمير المؤمنين المعتضد باللّه العباسي سنة 281 وعمارته المعروفة هي رحبة باب الزيادة ، بما فيه الباب القطبي - وهذه الرحبة - هي دار الندوة ، فلم يعمل المعتضد شيئا في داخل
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 72
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٧٢