الزمان الأول أن يدفن نبي الله وابن خليله عليهما الصلاة والسلام أو أحد من أهله بلصق الكعبة المشرفة ، في الحجر ، وهو الذي قام مع أبيه الخليل ببنائها ، كما هو الذي نزل مع أمه هاجر بمكة وهو صغير يرضع حين لم يكن بها بشر ولا حيوان ، فإذا كان غنم إسماعيل عليه السلام ، تأوي إلى عريش الحجر ، أفلا يأوي إليه هو وأهله بعد الممات ، بلى واللّه إنه لا مانع من ذلك خصوصا وأن أمه هاجر ماتت قبله وهو الذي دفنها هناك بإذن ربه عز وجل ، فجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يأتون شيئا ولا يفعلون شيئا إلا بأمر اللّه عز وجل ، نعم نحن الآن لا نقدر أن نضع حاجة في بيت أحد من أصحابنا إلا بعد إذنه ورضائه ، فهل يمكن لإسماعيل وهو نبي وابن نبي أن يدفن أمه عند بيت اللّه الحرام قبل أن يأذن له ربه عز وجل ؟ كلا واللّه . ونحن إذا نظرنا إلى زمانه ورأينا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان مسكنه عند الكعبة المشرفة وعند زمزم مع أهله ومواشيه ، وأنه لم يكن يقيم معه بمكة إلا نفر من جرهم ، لا نقول بأن قبورهم كانت بعيدة عنهم كمقبرة المعلا في زماننا هذا .
نعم نحن الآن نستعظم الدفن في المطاف أو في المسجد الحرام ، لأن المكان لا يخلو لحظة واحدة من الطائفين أو المصلين والعاكفين ليلا ونهارا ، وشريعتنا الغراء تحرم اتخاذ القبور مساجد والدفن فيها . واللّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، ولم يأت في موضع دفنهم وقبورهم خبر ولا أثر .
وهنا نقطة دقيقة وهي : إن قلنا أن قبر إسماعيل عليه الصلاة والسلام أو قبر أحد من أهله في الحجر ، فتكون قبورهم في نصف الحجر الذي يلي جداره المستدير مما يلي الغرب لأن الحجر في عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام كان ضيقا أي كان إلى وسط أرض الحجر في زماننا هذا تقريبا ، فإنه لم يتغير الحجر إلا في عهد قريش قبل البعثة بخمس سنوات ، حيث إنهم لما بنوا الكعبة المعظمة نقصوا من جدارها مما يلي الحجر أقل من سبعة أذرع ، فمن هنا صارت أرض الحجر واسعة . فافهم هذه النقطة الدقيقة فإننا لم نر من بينها وأوضحها .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 585
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٥٨٥