يتبين أن كل واحد من الأقوال الأربعة في حد المسافة مبني على واحد من الأقوال في مسافة الميل ، ولا يعارض ذلك كون القائلين بذلك يرون أن الميل ستة آلاف ذراع لأنهم هنا قلدوا المؤرخين ، وكل منهم يطلق الميل على مسطحه ، فإذا نظر الفقيه في كلامه قلده من غير تحقيق لمراده إذ لا يظهر إلا بالذراع ، ولم يبلغنا عن أحد من المختلفين في هذه المسافة أنه قال إن ما ذكره كان بعد تحريره بالذراع ، فتعين بعد أن علم تحريره به تأويل ما خالفه ، ورد هذه الأقوال المتباينة إلى تلك الأقوال في الميل المتباينة أيضا ، على أن التحديد المذكور في الأقوال غير مراد لما علمت أننا وإن فرعنا تلك الأقوال على الأقوال في الميل لا يأتي إلا إذا جعلنا ذلك تقريبا ، وأيضا فالزيادة والنقص قد يكونان لشدة في المد في الحبل المقيس به وإرخائه ، أو لأصل ارتفاع الأرض وانخفاضها ، أو لأجل اعتبار المسافة من محل آخر غير ما ذكر من باب السلام .
قال : فهذه الاعتبارات والتقديرات التي ذكرها التقي الفاسي ، كلها واردة ومن الجائز وقوعها ، ولا شك أنها هي السبب الوحيد في وقوع الخلاف بين العلماء الذين تصدوا وتحملوا المتاعب في سبيل ذرع المسافة بين المسجد الحرام وحدود الحرم ، التي أنشئت عليها الأنصاب أو الأعلام ، لأجل أن يعرف حد الحرم عند كل من تجاوز ذلك الحد ، سواء كان من البادية المجاورة للحرم ، أو من عموم الآفاق النائية .
ولا تزال تلك الأنصاب موجودة في مواضعها التي قد عرفت من عهد إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم والعهد النبوي إلى العصر الحاضر ، وفي رأيي أنه لا يمكن الجزم بصحة المسافة الواقعة بين المسجد الحرام وتلك الأنصاب ، إلا إذا تشكلت لجنة من مهندسين معماريين ممن لهم علم وتخصص بفن المساحة ، ومن بعض من لهم علم بفن الجغرافيا ، وبعض الفقهاء الذين اعتنوا بضبط حدد الحرم من الوجهة الشرعية ، وعهد إليها بذرع المسافة المذكورة بالمتر ، وذراع العمل المعماري ، لأن هذين المقاسين قد عرفا ، وهما لا يقبلان الشك والتردد ، لأن ذراع اليد يختلف بحسب جسامة الإنسان ، وهو يتراوح بين ( 46 ) سنتمتر و ( 52 ) سنتمتر ، وهذان المقاسان لا يقبلان الزيادة ولا النقصان ، ويكون مبدأ القياس من أبواب المسجد الحرام ، أو من الكعبة المعظمة ، وبعد ذلك تظهر الحقيقة ويعلم نوع الميل الذي قدر فيما سبق لتلك المسافة ، ووجه الخلاف الذي وقع بين العلماء في ذلك ، كما قد
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 106
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٠٦