تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
. وقال في حقه أيضا :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
. ويفهم من قوله :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
، أن إبراهيم عليه السلام هو الذي عمر مكة شرفها اللّه تعالى ، بإسكان بعض ذريته فيها امتثالا لأمره سبحانه وتعالى ، لا أنه أتى بهم للسياحة والنزهة ، فبلدة ليس بها أنيس ولا ماء ولا شجر ، لا يأتي الإنسان إليها للفسحة والاسترواح من بلاد الشام العامرة بالفواكه والثمار والخضرة والأنهار . كما يفهم من قوله :
مِنْ ذُرِّيَّتِي
، أنه أسكن بعضهم بمكة ، وأما البعض الآخر ، فقد بقوا في بلدتهم الأصلية ولم يحضروا معه إلى مكة ، لأنه عليه السلام ، أحضر إلى مكة ابنه إسماعيل مع أمه هاجر فقط تنفيذا لرغبة زوجته سارة ، وامتثالا لأمر اللّه تعالى الذي أمره بالهجرة إلى مكة معهما . ويفهم صراحة من قوله :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
أن مكة كلها كانت قفرا لا نبات فيها ولا ماء ، فليس المراد بالوادي هو مجرى السيل من شارع القشاشية الذي بقرب المسجد الحرام فقط ، كما يفهمه بعضهم ، بل المراد بعض مكة كلها من جميع الأطراف كما لا يخفى على المتأمل ، واللّه تعالى أعلم . فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أول من أطلق على مكة كلمة " وادي " كما هو صريح في هذه الآية :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
، فنسبة وادي إبراهيم إليه نسبة تشريف ، فإنه هو أول من أتى إليه وأسكن بعض ذريته فيه . ومعنى قوله :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
أي في بدء الأمر ، وأصل الخلقة في عهد إبراهيم ومن قبل عهده ، فلا محل للاعتراض إن وجد فيما بعد ماء وزرع بالإنبات ، وإيصال الماء إليه وحفر الآبار ، ووجود البشر والسكان في الوادي ، يقتضي إشغال الأيدي العاملة بعمارته بالماء والزرع والبنيان ، كما هو سنة اللّه في خلقه . وبهذا المعنى ينتفي إشكال من يقول : كيف يقول : بواد غير ذي زرع ، بينما مكة اليوم وللّه الحمد فيها الزروع والبساتين .