الثمرات ليتفكهوا بها ، ثم دعا لهم ثانيا حينما أتى من الشام لزيارتهم بالبركة في اللحم والماء ، فببركة دعائه صلى اللّه عليه وسلم صارت مكة عامرة بكل شيء ، ممتلئة بالأرزاق والثمار في كل وقت من الأوقات وفاء لما وعد اللّه به أهل هذا البلد الآمن بقوله :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا
. فالحمد للّه رب العالمين .
وأما قوله :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، فيفهم منه أنه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يحمل في قلبه لوعة فراق زوجته وولده ، ويحمل همهما وما سيؤول إليه أمرهما وقد تركهما في فلاة قفر ، ليس عندهم قريب ولا غريب ، امتثالا لأمر اللّه سبحانه وتعالى . لكنه صلى اللّه عليه وسلم لا يريد أن يفصح بلسانه عما في قلبه ، وذلك من كمال الإيمان والتفويض ونهاية الاستسلام والخضوع للّه الواحد القهار . وهذا من قبيل :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
ومن قبيل :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
.
فقوله :
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ
، هو عرض الحال إلى اللّه عز وجل ، بلطيف الإشارة وبكمال الأدب ومنتهى الاسترحام والاستعطاف . ولقد استجاب اللّه دعائه وحقق رجائه ، وحفظ له أولاده ، وجعلهم من المصطفين الأخيار . فجدير بأهل مكة أن يتصفوا بصفات أهل الخير والكمال ، وأن يكونوا قدوة حسنة للعالم الإسلامي إن شاء اللّه . وما أحلى قول القاضي تاج الدين بن أحمد من علماء الحرم المتوفى سنة ( 1066 ه ) :
من كان بالوادي الذي هو غير ذي * زرع وعز عليه ما يهديه
فليهدن ألفاظه الدر التي * تحلو فواكهها لكل نبيه
ويؤخذ من آية :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ . . .
، أن يدعو الإنسان لأهله وأولاده ومعارفه وأحبابه عند فراقهم بكل خير ، ويتضرع إلى اللّه عز شأنه أن يحفظهم ويهديهم ، وأن يسهل لهم سبل المعيشة برفاهية تامة .
اللهم إني أسألك أن تيسر لنا أمورنا ، وتنور قلوبنا ، وتصلح أحوالنا ، وترزقنا من فضلك العظيم رزقا حلالا واسعا ، وتسترنا في الدنيا والآخرة ، واحفظنا في أهلنا وأولادنا واجعلهم لنا قرة أعين ، واختم لنا بخير يا أرحم الراحمين آمين ، وصلي اللهم وسلم على جميع الأنبياء والمرسلين ، وآل كل منهم وصحابتهم أجمعين ، وسلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين .