« يعدهم » الوعود المقلوبة المغلوبة ، ويمنّيهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية والمتاهة من لذة كاذبة وسعادة موهومة ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف ،
والتمنية هنا ليست إلّا على مدار الوعد ، فهو يمنيهم تصديقا لوعده وتثبيتا حتى يرتكنوا إليه فيصمدوا له .
وتلك هي حالة استغواء واستهواء مدروسة شيطانية تنحرف بها الفطرة والعقلية الإنسانية لولاها لمضت قدما في طريقها المسلوكة المعروفة كما فطرها اللّه .
ولأن الشيطان غرور ف « ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً » يغرهم فيما يوعدون بفتل حباله واختلاف فخاخه واستدراج فرائسه التي لا تبقى لهم إلّا جبلات مطموسة مركوسة التي تظل ضالة سادرة لا تنفيّئ ، متفلتة لا تتلفت إلى علم أو هدى ، أو كتاب منير « 1 » .
هامش
( 1 ) . نور الثقلين 1 : 552 في أمالي الصدوق باسناده إلى الصادق جعفر بن محمد ( عليهما السّلام ) قال : لما نزلت هذه الآية « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ » صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا : يا سيدنا لم دعوتنا ؟ قال : نزلت هذه فمن لها ؟ فقام عفريت من الشياطين فقال : أنا لها بكذا وكذا ، قال : لست لها ، فقام آخر فقال مثل ذلك فقال : لست لها ، فقال الوسواس الخناس أنا لها قال : بماذا ؟ قال : أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار فقال : أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة .
أقول : نص الآية أن « يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ » هو في الأصل من الشيطان الأصل ، وقد تعني هذه الرواية شورى شيطانية يرأسها الشيطان الأول فيدير أمر الشورى كقائد لها .
وفيه عن تفسير العياشي عن النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) حديث طويل يذكر فيه ما أكرم اللّه به آدم ( عليه السّلام ) وفي آخره فقال إبليس : رب هذا الذي كرمت علي وفضلته وإن لم تفضلني عليه لم أقو عليه ؟ قال : لا يولد له ولد إلا ولد لك ولدان ، قال رب زدني ، قال تجري منه مجرى الدم في العروق قال رب زدني قال تتخذ أنت وذريتك في صدورهم مساكن ، قال رب زدني قال : تعدهم وتمنيهم « وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً »