تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
إن الطيبات هي طيبة الحياة : روحا انسانية وعقلا حالا ومالا ، وكل ما رزقك اللّه من مظاهر الحياة ، روحية ومادية ، التي تتبنى لك حياة سعيدة في العاجل والآجل . ولكنك أذهبتها في هذه الدنيا مبصرا إليها كأنها الحياة فقط ، لا مبصرا بها عمق الحياة ، ولكي تستغلها للأخرى ، مستقلا لها في الأولى ومستكثرا للأخرى ، فأنت أنت الأحمق الأطغى أغمضت عين العقل فأذهبت طيباتك في حياتك الدنيا ، وبدلت نعمة اللّه كفرا ، واستمتعت بها كأنها فقط للأولى ، ولإشباع غريزة الشهوات ، فلم تبق لك أية طيبات ، اللهم إلا خبيثات وخبيثات « لَيمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » ( 8 : 37 ) : ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ » ( 42 : 45 ) . إنكم « اسْتَمْتَعْتُمْ بِها » بدل أن تستمتعوها ، لتشتروا بها الحياة الأخرى ، فلا متعة لكم منها فيها حيث اذهبتموها في متع الأولى ، وهذه إهانة لنعم اللّه ومهانة للطيبات تجزون بها جزاء وفاقا : فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ : استكبار يخلفه اذهاب الطيبات في الحياة الدنيا تغافلا عن الأخرى ، وكما أنه يخلف فسوقا : خروجا عن طاعة اللّه ، فمعظم الفسوق من مخلفات الاستكبار كما أن الاستكبار من خلفيات الإخلاد إلى الحياة الدنيا : ظلمات بعضها فوق بعض . إن الاستكبار فسوق عن طاعة اللّه ، ومروق عن عبادة اللّه ، فإن الكبرياء ليست إلا للّه ، فالجزاء ، العدل ، الوفاق الفرض ، لمن استكبر في الأرض ، ليس إلا عذاب الهون : هونا على هون ، فمن عذاب ما ليس على هون رغم أنه في نفسه هون ، وذلك للفاسق غير المستكبر . وقد توحى آية الفسوق هذه بأن الكفار مكلفون بالفروع ، مؤاخذون عليها كما
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 497 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني