الخطاب موجه إلى هذا الأخير ، ثم لا يجدينا قرب الساعة إذا كان المبدء بداية خلق المكلفين ، إذ لا نعلمها - وإن على وجه التقريب - حتى تفيدنا أن الساعة قريب ، فلتكن الساعة أقرب إلى نبي الساعة منه إلى بداية النسل الأخير من الإنس ، حيث الجن موقفه كمن سلف من أنسال لا يدرى متى خلقوا .
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 18 ) .
يستعجلون بها حيث لا تحس قلوبهم هو لها فلا يحومون حولها إلا هزوا لو أنها آتية فمتى ؟ ولماذا لا تأخذنا « وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ . . » ( 22 : 47 ) .
وامّا الذين آمنوا فهم « مُشْفِقُونَ مِنْها » ولأن الإشفاق هي العناية المختلطة بخوف حيث يحب المشفق المشفق عليه ويخاف ما يلحقه تقصيرا منه لا من المشفق عليه ، إذا فهم لا يستعجلونها بل قد يستأجلونها ليتهيئوا لها حيث « يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ » ! .
ثم العناية قد تربو الخوف كأنه لا خوف : « إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ » ( 52 : 26 ) أم الخوف يربوها كان لا عناية : « تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ » ( 42 :
22 ) ( وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الُمجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ » ( 18 : 49 ) أو الخوف يربوها وهي موجودة : « فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها » ( 33 : 72 ) أم هما سيان حيث الخوف والرجاء يتساويان كما هنا « وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها . . » وفي أضرابها : « وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » ( 70 : 27 ) ضروب أربعة من الإشفاق تشارك فيها العناية والخوف .
ثم المستعجلون بها يمارون فيها ، ظلمات بعضها فوق بعض في نكرانها : « ألا » فانتبهوا « إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ » جدالا في حجج داحضة ، إنهم « لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ » : بعيد
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 488
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٨٨