وإبليس يجمع في نفسه جميع هذه المعاني لاسمه : حزنا على ما كرّم عليه آدم وطرد ، وقطعا للجنة والناس من الوصول إلى مأمولهم ، مع انقطاع حجته أمام اللّه وأمام الخلق ، وحيرة فيما تورّط فيه ووقع من هوّات ، وقطع رجاء لنفسه عن رحمة اللّه ولغيره أيضا عن مغفرة اللّه ، وانكسار في كافة الحقول الدعائية أمام عباد اللّه ، وحزن مما يجاهدون في سبيل اللّه ، وإبلاس لهم فيما يعتنقون من شريعة اللّه ، وكل ذلك تجمعها « أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » إن إبليس يبلس كما المجرمون مبلسون يوم الدنيا ويوم الدين : « حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ » ( 44 : 6 ) ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الُمجْرِمُونَ » ( 30 : 12 ) ولكنما إبليس زعيمهم هو الأصل في الإبلاس كما إفعيل مبالغة في مادته ، والإبلاس هنا هو الإياس ، فإنه آيس عن رحمة اللّه ويؤيس عن رحمة اللّه ليجلب أكثر عدد ممكن إلى حزبه ، ألا فتيقظوا يا أولي الأبصار ! وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) قصة الجنة هذه تذكر هنا وفي أخرى : « وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ . وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ، قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ، قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 18
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٨