وقد يبقى هنا أن نتساءل جدنا الأوّل ، هب إنك ما غرّك « إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ » فكيف غرك بعد « إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ » ؟ فهل اعتبرت عصيان ربك نصيحة من الشيطان فاللّه نهاك - إذا - بخلاف النصح ؟ وذلك كفر قاطع ! .
علّه في تلك المقاسمة المكيدة حاول ليثبت أن ذلك النهي منسوخ حيث فلّ حرّاس الشجرة عما حولها بعد مااحتفوا بها - كما في الخبر - فقاسمهما أنني ناصحلكما بما نصح اللّه حيث نسخ النهي ، ودليلا عليه تفرق الحرّاس ! ولكن كيف يعتمد آدم على ذلك التفرق ولاينسخ قاطع النص إلّا بقاطع النص وليس فليس ، فالقادر المعلوم في هذا المسرح أن آدم انغر بغُرور الغَرور حيث لم يكن يحسب أن أحدا من خلق اللّه يقسم كاذبا باللّه ، إضافة إلى انجذابه إلى الشجرة إذ قد تخلده في دار الكرامة ، فعلّ ربه نهاه عنها سلبا عنه هذه الكرامة إذ لا يليق لها ، فقد اقترف عصيانا ، لا كفرا كما يغل ، ولا ترك الأولى كما قيل فيما غيل دون أيدليل .
إذا فاحتمال أن آدم إنما انغر بغُرور الغَرور ، قضيةَ المقاسمة واحتمال أن نهيه عن الشجرة يعني نفيه عن الخلود في دار القرب والكرامة ، فرجح القرب رغم النهي عن البعد إذا انتهى ، فهي معصية غير كبيرة إذ لم تضمن تكبرا على اللّه ، ولا تعمدا في اقتراف نهي اللّه ، وإلّا لكان مصيره مصير الشيطان ، إنما هو عصيان - فقط - للتخلف عن النهي ، ويصغره أنه كان بين مقاسمة وأمل للبقاء في دار القرب والكرامة .
ذلك الاحتمال وارد لا مردّ له ، كما لا مردّ لأصل عصيانه تخلفا عن النهي الصارم الحارم إياه عن هذه الشجرة .
فلا إفراط - إذا - بحقه أنه أتى بعصيان كبير يقارب عصيان الشيطان ، ولا تفريط أنه ترك الأولى ، بل هو عوان بينهما لا حول عنه إلى أحدهما .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 114
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١١٤