أوليس شاقا على موسى على محتده وعلو مقامه وواجب تحضيره للرسالة المستقبلة أن يؤاجر نفسه ثماني حجج أو عشرا ؟ حسب الظاهر نعم ، وفي الحق لا كما وحه أبوها « وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ » في أصل الثمان ولا في التكملة ، وإنما هي مصلحة ككلّ من صالح إلى صالح « سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . . »
ومن الصالح في هذه الحجج أن يصبح موسى من رعاة الأغنام قبل ان يرسل رسولا إلى الأنام ، فلقد لبثت من عمره ردحا في بلاط النعمة والنعومة ، فليعش - ما بينه وبين الرسالة إلى فرعون وملإه وسائر المكلفين - راعيا لأغنام وذلك قدره الذي قدّره له ربه « . . وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى . وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي » ( 20 : 40 - 41 ) .
ويا له من اصطناع بارع ليصنع بعد أمة صارمة ضد الفراعنة المجرمين ، فقد نقلته يد القدرة الرقيبة الربانية منذ رضاعته إلى طفولته وإلى رجولته وحتى ذلك الحين وقد حان حين الوحي الحبيب ، وفي هذا الخط الطويل قبل الرسالة وبعدها تجارب منقطعة النظير - إلّالمحمد صلى الله عليه وآله - من تجربة الحياة في جو الفرعنة ، ثم الخوف والفزع والمطاردة ، وتجربة الجوع والوحدة والغربة ، وتجربة رعي الغنم والخدمة بعد حياة القصر .
وهكذا تكون الرسالة الإلهية ضخمة الجوانب والتبعات في مقدمات ومؤخرات ،
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 54
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٥٤