هُمْ يَنْكُثُونَ » ومن قبل كان يعلم نكثهم بأضرابهم الأسلاف السّلاف : « وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » ( 23 : 75 ) ( إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ » ( 44 : ) 15 ) . تلك آيات من اللَّه وما وجهها آل فرعون فما هي الآيات الفرعونية وإجاباتها ؟ إنها لا تتخطى خداعات خواء وادعاءات جوفاء وزخرفات تجلب عقول الجماهير الساذجة المخدوعة بالأبهة والبريق وزينة الحياة الدنيا .
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 ) .
عرض تافه رخيص يواجه به آيات اللَّه البينات « أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهارُ . . . » وماذا يثبت له ملك مصر الذي حصل عليه بالسيف والنار ، بالزور والغرور ؟ وحتى إذا كان له حقا وخيرة من شعبه ، أكلّ ذلك يثبت أنه إله ؟ أم عبد يستغني عن اللَّه ؟ إذا فكل ملك إله ، أو هو مستغن عن اللَّه ! وترى من هذا الذي هباه وأعطاه ؟ هل هو هو أم اللَّه ؟ فليس هو إذا بإله ولا يستغني عن اللَّه ! .
فرعون بيّن فضله واستجاش قلوبا مستغفلة مستخفّة « أَ فَلا تُبْصِرُونَ » بأبصاركم ، إذ لا حاجة إلى بصيرة لهذا العرض المحسوس ؟ . . ومن ثم يبين مهانة موسى عنده « وَلا يَكادُ يُبِينُ » « فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ . . » ومهانته الأخرى عند اللَّه « أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ » ؟ ويقايس بين نفسه وبين ذلك المهين « أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ . . . » .
فرعون الطاغية هنا في تدجيله بين نفي وإثبات ، يثبت لنفسه كلّ أهلية ينفيها عن
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 396
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٩٦