منه تنفقون ولستم بآخذيه إلَّا أن تُغمضوا فيه واعلموا أن اللَّه غني حميد » . « 1 »
هنا « مما تحبون » دون « ما تحبون » تبعِّض الإنفاق كيلا تضلوا حاسرين عما تحبون ككل ، والرواية القائلة « ما تحبون » « 2 » تخالف النص هنا ، وتخالف هنالك الأياتِ في الإنفاق العوان بين الإفراط والتفريط ، ولم يكن إطعام الطعام من أهل بيت الرسالة القدسية مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، إطعاماً لكل المحبوب إذ كان عندهم ما يبدلوا به عنه وان على صعوبة فأبدلهم اللَّه بأحسن منه .
وترى ما هي رباط الآية بما قبلها ، المنددة بالمتصلبين على القومية الكتابية ، والمتلونين في الايمان والكفر ؟ .
علَّها لأن التجاهل والتنازل عما هم عليه من شرعة انتقالًا إلى شرعة أخرى ولا سيما إلى نبي غير إسرائيلي ، هو معدود في عداد الإنفاق مما تحبون ، فإيثار حب اللَّه على ما تحبون يقتضي الإنتقال عن كل شرعة سابقة - مهما كانت طُولها وطَولها - إلى الشرعة الأخيرة .
وذلك مما يوسِّع نطاق الإنفاق المحبوب في الآية ، دون حصر في إنفاق المال حسراً عن سائر الإنفاق .
إن انفاق المحبوب في حب اللَّه يختص بما يمكن إنفاقه مشكوراً محبوراً ، وأما غير الممكن أو المنكور والمحظور فلا ، فانفاق النفس في سبيل اللَّه فيما يتوجب أو يرجح ، وانفاق المال كذلك عواناً بين الإفراط والتفريط ، وانفاق العقلية الصالحة والعلم النافع والعِظة الحسنة أماهيه من إنفاقات صالحة ، إنها كلها مشمولة لطليق الآية دونما تحدُّد بحد إلَّا ما حدده اللَّه .
فالإنفاق مما تحب - ولا سيما إذا كان من أحب ما تحب - ذلك رمز إلى انك تؤثر حب اللَّه على كل حب ، مهما كان ما تحب شيئاً قليلًا ضئيلًا ، كما أن الانفاق مما لا تحب رمز إلى عدم الإيثار وانك لا تفضِّل حب اللَّه على حبِّك مهما كان ما لا تحب شيئاً كثيراً محبوباً لمن تنفق ، اللهم إلا ألَّا تجد إلَّا ما تنفقه ، وأنك في طويتك تفضل محبوب ربك على محبوبك .
إذاً فإطعام علي وفاطمة والحسنين كسير خبزهم هو من أفضل الإنفاق : « ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً » « 3 » وفي نفس الوقت إطعامك طعاماً أفضل منه
هامش
( 1 ) . 3 : 267
( 2 ) . المصدر في روضة الكافي بسند عن يونس بن ظبيان عن أبي عبداللَّه عليه السلام « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مماتحبون » هكذا فاقرأها
( 3 ) . 76 : 8