انحس دركات الأذى ، محقاً للإنفاق وتمزيقاً للمجتمع وإثارة للضعائن والأحقاد ، بديلًا عن التؤودة والأمجاد ! .
وهنا يظهر السر في : « إحذر شر من أحسنت إليه » بوجه مَّا ، فان رد الفعل للإحسان بطبيعة الحال في النفوس الإنسانية ، ولا سيما الأبيّة ، هو العداء العارم يوماً مَّا .
فان الآخذ - أياً كان - يحس في نفسه بالضعف والنقص والانكسار أمام المعطي ، مناً ودون من ، إلَّا أن يُحبَر نقصه بكل تبجيل واحترام ، انفاقاً محبباً ومما تحبون ف « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » .
ففي مثلث الانفاق لا يأمن المنفق من بأس الإنفاق وبؤسه إلا أن يقرنه بما يزيل وصمة الإنفاق ، ويرفع سمته إلى مرتفع قد يكون أرفع من المنفِق ، ولذلك قد تعتبر يد الآخذ يد اللَّه :
« ويأخذ الصدقات . . » « 1 » تأديباً أديباً لكيفية الإنفاق ، أن تكون أربى وأولى مما ينفق على نفسه وأهليه ، دون إفراط ولا تفريط .
وإن أحسن الحسن في الإنفاق - الذي ينفى اتباعه بالمن والأذى - هو إتْباعه بقول معروف وحسنة مثلها أم تربوها ، ف « ما من شيءٍ أحب إلي من رجل سلفت مني اليه يد اتبعتها أختها وأحسنت بهالَه ، لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل » . « 2 »
ثم وهؤلاء الأكارم الذين لا يتبعون ما انفقوا مناً ولا أذى ، هم « لهم اجرهم » السبعمائة « واللَّه يضاعف لمن يشاء » دون سواهم ، سواءٌ أجروا قليلًا أم لم يؤجروا أم عذبوا بما أثموا ، « ولا خوف عليهم » من فقر هنا ، أم تساءُل أو عذاب في الأخرى أم عدم الوفاء فيها ، أم عداءً من المنفق عليه إذ كثّره وما كسره ، رفعه وما وضعه ، « ولا هم يحزنون » على ما انفقوا ، إذ هم حصلوا على مئات اضعافه وأفضلها « رضوان من اللَّه » .
إن الصدقة التي ترافقها أم تتبعها اذىً من منٍّ وسواه ، لا شك ان تركها أولى منها وأحجى ، وحين لا تجد ما تنفق ، أو تجد وتبخل إلا بمن أو اذى .
« قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ » « 3 »
« قول معروف » لدى السائل والمحروم ، بديلًا عن صدقة منكرة أو نحرٍ على المحاويج .
هامش
( 1 )
. 9 : 104
( 2 ) . نور الثقلين 1 : 284 عن تفسير القمي ثم ضرب اللَّه فيه مثلًا فقال : . . . ما من شيء . .
( 3 ) . 2 : 263