واقع الكفر بعد واقع الإيمان ، فلذلك يصح هنا التقسيم « إن نعف عن طائفة منكم » وهم المضلون حين يتوبون . « نعذب طائفة » أخرى « بأنهم كانوا مجرمين » حيث تعرَّق الإجرام وتعمَّق في قلوبهم ، فهمٍ رؤوساء الضلالة وحملة مشاغل المتاهة والغواية حيث عاشوا ردحاً بعيداً من الزمنٍ ذلك الإجرام فكيف يعفى عنهمٍ فهم - إذاً - لا يتوبون « فإن يتوبوا يك خيراً لهم وان يتولوا يعذبهم اللَّه عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة . . » « 1 » ، خلاف الأولين الذين كان كفرهم بسيطاً دون تعنُّد وتعمق . « 2 »
واحتمال ثان أن يختص العفو بحاضر العذاب دون مسقبله لاختلاف دركات نفاقهم شدةً وضعفاً ، ولكن الظاهر هو الأول ف « نعف » إذ يتوبون ، و « نعذب » إذ لا يتوبون ، أم وتوبتهم توبة نفاق غير وفاق .
هنا يذكر « بعد إيمانكم » لتشمل الذين آمنوا ثم كفروا ونافقوا عن جهل وبساطة ، إلى هؤلاء الذين أسلموا منافقين ، ثم ازدادوا كفراً ونفاقاً ، ولذلك لما يفرد الآخرون يبدل الإيمان فيهم بالإسلام : « ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم » .
ووجه ثالث أن الإيمان يعم الإيمان باللسان إلى الإيمان بالجنان والأركان ، وكما يخاطَب الذين آمنوا بوظائف عامة فتشمل كل من أقر بالإيمان .
هامش
( 1 ) ) . سورة التّوبة 9 : 76
( 2 ) ) . نور الثقلين 2 : 238 عن تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله : « لا تعتذروا . . » قال : هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم وكانوا أربعة نفر ، وقوله : « أن نعف عن طائفة منكم » كان أحد الأربعة مخشى بن الحمير فاعترف وتاب وقال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أهلكني اسمي فسماه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عبد اللَّه بن عبد الرحمن فقال : يا رب اجعلني شهيد احيث لا يعلم أحد أين أنا فقتل يوم اليمامة ولم يعلم أين قتل فهو الذي عفى اللَّه عنه . أقول : لم يسم هذا الواحد طائفة فإنه شأن لنزول الآية وهي تعني كل من يصلح للعفو كأمثاله على مدار الزمن ، وكما الطائفة الأخرى لا تعني الآخرين بأعيانهم .
وفي الدر المنثور 3 : 255 - أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزءوا باللَّه وبرسوله وبالقرآن ، قال كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم يقال له يزيد بن وديعة فنزلت « إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ، قال : الطائفة رجل واحد .