تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
مشقة تناله من خارج فيما يحمل عليه بإكراه ، وهو ايضاً راجع إلى الكُرة ، إذ ما لم يكره امراً ليس ليُحمل عليه بإكراه ، ولأنه لا إكراه في الدين فلا كَره فيه اللهم إلا امراً تشريعاً ، بل قد يَكره المفروض عليه كُرهاً لمشقة اماهيه تجعله يكرهه في نفس ذاتهمهما طبَّقه لأمر ربه . وترى كيف يكره المؤمنون امر ربهم وحبَّه ، أم ولأقل تقدير عدم كُرهِه هو قضية الإيمان ؟ « وهو كره لكم » هنا هي حال الأمر وظرفه كما هو قضية الحال في مشاق التكاليف كلها ، ولذلك سميت تكاليف حيث يؤتى بها بأمر اللَّه رغم الكفلة فيها لعبئها في نفس الذات ، والقتال هي بالطبع الأوَّلي لو خلي وطبعه هي أمر إمر لا يلائم الفطرة والعقلية الإنسانية ، لأن فيها هدر الأنفس والأموال ، اللهم إلا لأمر أهم من الحياة وهو أمر اللَّه الذي يحمل كل خير . والإسلام يحسب حساب الفطرة الإنسانية ، فلا ينكر كُره هذه الفريضة وأمثالها ، ولا يماري في الفطرة أو يصادمها ، ولكنه يعالج الأمر الإمر من ناحية أخرى تلائم الفطرة ، أن يسلط عليها نوراً خفية عنها ، وهي الخير المخبوء عنها ، المجهول لديها ، فعندئذٍ يفتح للفطرة نافذة جديدة حادة تطل منها على ذلك الأمر ، نافذة تهب منها ريح رخيَّة وروح نديَّة ، تهون عندها كل كُره ومسقة ، وينقلب أمرها إلى حبيبة مرضية تتهافت إليها جموع المؤمنين . ومن ذلك القتال حيث يغلِّب خيرها الخفي على كرهها الجلي فيصبح أمرها بأمر اللَّه ووعده فطرة ثانية تنسي الأولى ، فتراه يتفانى متسابقاً في جبهات القتال ضد الأعداء الألداء . فلما تُعرَّف القتال بإحدى الحسنيين ، حسنى قَتْلِ العدو أو الشهادة ، وأنهما أحسن من القعود عن النضال ، فالفطرة المؤمنة تعشقها بطبيعة الحال ، مهما كان المؤمنون درجات في ذلك المجال ، ولكي تنضبط الفطرة الإنسانية بضباط الإيمان ورباطه تأتي هذه الضابطة نبراساً ينير عليها دروب الفضائل ، ومتراساً يكرس به طاقاته