تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
للنضال في خضمِّ المعارك بكل ألوآنهاوقضاياها ورزاياها : « وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون » وليست هذه الضابطة تجهيلًا للفطرة في أصل الإنجذاب إلى كل خير والابتعاد عن كل شرٍّ ، بل هي تجهيل بالنسبة لمصاديق عِدَّة للخير والشر ، حيث الإنسان أيا كان لا يحيط علماً بكل خير وكل شر ، لا بفطرته ولا عقليته ولا طاقات أخرى فردية وجماعية ، فلابد إذاً من نبراس من وحي السماء يبين خطأ الأرض في مصاديقَ من الخير والشر . فهذه اللمسة الحنوتة الربانية للفطرة والعقلية والحسية الإنسانية تفتح امامها عالماً آخر وراء المحسوس الملموس ، فترتِّب الحاضر والغائب على غيرها تظنه وتتمناه ، تبييناً لها أنها لا تحيط علماً بكل خير وكل شر ، في حين يراد منها الدخول في السلم كافة من بابه الواسعة ، دون الضيقة الخاطئة في تستيقن أن الخيرة إنما هي فيما يختارها اللَّه لأنه اللَّه العليم الحكيم الرحيم ، فيستسلم لأمره واثقاً بوعوده دون خوف عما يستقبله من مخاوف ولا حزن على مضى ، إلا رجاءً واثقاً أن يحقق له ربه ما أمضى . و « عسى » هنا كما في غيرها ، هي من اللَّه ترديد في جوِّه لمن عساه يجهل كما هنا ، ف « إرضَ عن اللَّه بما قدر وإن كان خلاف هواك » ، « 1 » وكل إنسان يجد في تجاربه الخاصة مكروهات هي في الحق خيرات ، وخيرات هي في الحق مكروهات ، ما يُطَمٌئِنة أن ليس كل ما يراه خيراً خيراً ، ولا كل ما يراه شراً شراً ، فلابد - إذاً - من التسليم المطلق لأمر اللَّه فإنه خير على أية حال . ولقد وردت في القتال آيات وعلى ضوءها روايات تجعلها أحيا من كل حياة ،
هامش
( 1 ) ) . الدر المنثور 1 : 244 - اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كنت رديف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : يا بن عباس ارض . . . فإنه ثبت في كتاب اللَّه ، قلت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأين وقد قرأت القرآن ؟ قال : « عسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئاً وهو شر لكم واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون »