يرجوااللَّه واليوم الآخر وذكر اللَّه كثيراً » . « 1 » فقد إبتدأ في كلا الغزو والدعوة بالأقربين ، مراعياً سياسة الخطوة حتى ملك الجزيرة بكاملها ، ثم إلى غير الجزيرة من الروم وما أشبه ، سنة سارت عليها الفتوحات الإسلامية . تواجه من يلون دار الإسلام مرحلياً ، فلما أسلمت الجزيرة أو كادت ، ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف طاقة خطرة بعد فتح مكة ، كانت غزوة تبوك على أكناف الروم ، ثم انساحت الجيوش الإسلامية إلى الروم وفارس إلى أن وحِّدت الرقعة الإسلامية وتواصلت حدودها ببعضها البعض ، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء ، واسعة الأنحاء ، متماسكة الأطراف ، ثم لم تمزقها إلَّا الحدود المختلقة المختلفة المتخلِّفة بين ديار الإسلام فأصبحت دويلات فشكلت ويلات على المسلمين أجمع .
ذلك ، وترى « وليجدوا فيكم غلظة » تعني الخشونة والفظاظة التي تنافي صالح الدعوة ؟ إنها غلظة رهيبة في القوات المسلحة وسائر الإستعدادات أمام المحاربين دون سائر الكفار فضلًا عن المؤمنين ، فقد تعني « غلظة » منكرةً ، الغلظة التي لابد منها على المعاندين ، فلا تنافي اللينة في الدعوة والرحمة في الدعاية ف « لا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن إلّا الذين ظلموا منهم » . « 2 » فحين لا تؤثر الرحمة إلّا زحمة فهنالك الغلظة أمام غلظة ، حيث الرحمة أمام الظالم المعاند العامد ، إنها زحمة وقسوة على المظلوم ، فهي - إذاً - غلظة أمام غلظة ، بلا هوادة ولا تميُّع ولا تراجع ، إنها قوة وصلابة ومهابة « حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه » .
ذلك ، وكما أن الرأفة والرحمة في الدعوة الربانية من تقوى اللَّه ، كذلك الغلظة في محالها من تقوى اللَّه ، فالرأفة مكان الغلظة كما الغلظة مكان الرأفة هما خارجتان عن
هامش
( 1 ) ) . سورة المؤمنون 23 : 21
( 2 ) ) . سورة العنكبوت 29 : 46