اللَّه في تلك العائدة نصف لك فكذالك الأمر وأقوى ، ولكن اللَّه غني عن العالمين و « من جاهد فإنما يجاهد لنفسه » وما اللَّه إلّا دليل الرشاد وموقف العباد في كل جهاد ، فلماذا إذاً التهاون في سبيل الجهاد .
وما سبيل اللَّه في جهاد وسواه ، إلّا سبيل صالح المجاهد في اللَّه ، حيث يبلِّغه مناه ، ويمده إلى مداه ، ويهديه هداه ، وما وعدُ الثواب للمجاهدين إلّا رحمة من اللَّه وفضلًا دونما استحقاق ، فالجهاد بالنفس والنفيس بكل غال ورخيص ، يُصلح من نفس المجاهد وقلبه ، ويرفع من تصوراته وآفاقه ، فيستعلي به على الشح ، ويستجيش أفضل ما كيانه وإمكانه من عِدَّات وعُدَّات .
حتى تعني لقاء ربوبية الجزاء ! بل ولقاء الرب ايضاً تعمها وسواها من لقاء يرجى لقبيل الايمان : « فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه احداً » .
بل ورجاء اللقاء دون يقينه قد يختصه بغير الحياة الآخرة لأنها متيقنة لأهلها حيث : « يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون » ، « 1 » فهو إذاً رجاء اللقاء المعرفي ورجاء الثواب في الدارين ، ولا سيما في « لقاءاللَّه » ، وليس في القرآن رجاء اللقاء إلّا للمؤمنين « لقاء اللَّه » كما هنا و « لقاء ربه » كما في الكهف ، ثم « لا يرجون لقاءنا » . « 2 » للكافرين .
انه « لقاء اللَّه » معرفياً بعبودية ، وعبودياً بمعرفة ، محلقاً على كل درجات الزلفى إلى اللَّه حسب درجات العبودية والمعرفة .
و « كان يرجوا » تضرب إلى أعماق الماضي كماً وكيفاً ، أن أصبح رجاء لقاء اللَّه عشيراً له في حياته ، ولا يصلح رجاء إلّا بتقديم أسباب للحصول على المرجو ، والعبودية والمعرفة الإيمانية هما السببان الرئيسيان للقاء اللَّه في الآخرة والأولى ، و « اجل اللَّه » هنا هو الوقت المؤجل للقاءه عاجلًا أم آجلًا ، كلما ازدادت المعرفة زادت العبودية ، وكلما ازدادت العبودية زادت المعرفة ، حتى يصبح العبد « أوّل العابدين » في
هامش
( 1 ) ) . سورة الرّعد 13 : 2
( 2 ) ) . سورة يونس 10 : 7